الجمعة، 4 سبتمبر 2026
اشتراك
عاجل
مسرح رياض السلطان يستعد لاطلاق برنامجه الثقافي الجديد بعد موسم حافل بالابداع واللقاءات والتشاركالعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان المكتب المركزيكلمة الامين العام لحزب التقدم والاشتراكية محمد نبيل بنعبد الله في لقاء اعلاميمجلس مقاطعة يعقوب المنصور ينظم حفلا لفن عيساوة الاصيل الرباطيحفل استعراضي لرياضة الملاكمة لجمعية هبشان الرياضيةأمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس يترأس حفلا دينيا بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريفأحمد بلفاطمي يبعت برقية تهنئة إلى جلالة الملك محمد السادس بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريفالملك محمد السادس يترأس إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف بالقصر الملكي بالرباطللا مريم تستقبل الأطفال المقدسيين المشاركين في مخيم “منارة السلامبرقية ولاء واخلاص : لمنظمة الوحدة الوطنية لمغاربة العالممسرح رياض السلطان يستعد لاطلاق برنامجه الثقافي الجديد بعد موسم حافل بالابداع واللقاءات والتشاركالعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان المكتب المركزيكلمة الامين العام لحزب التقدم والاشتراكية محمد نبيل بنعبد الله في لقاء اعلاميمجلس مقاطعة يعقوب المنصور ينظم حفلا لفن عيساوة الاصيل الرباطيحفل استعراضي لرياضة الملاكمة لجمعية هبشان الرياضيةأمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس يترأس حفلا دينيا بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريفأحمد بلفاطمي يبعت برقية تهنئة إلى جلالة الملك محمد السادس بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريفالملك محمد السادس يترأس إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف بالقصر الملكي بالرباطللا مريم تستقبل الأطفال المقدسيين المشاركين في مخيم “منارة السلامبرقية ولاء واخلاص : لمنظمة الوحدة الوطنية لمغاربة العالم
الرئيسية

العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان المكتب المركزي

اليوم Tv اليوم Tv منذ لحظات 0 مشاهدة 0 تعليق
فيسبوك تويتر واتساب تيليغرام
العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان  المكتب المركزي

 

 

تقرير حقوقي تركيبي حول 

الانتهاكات الحقوقية خلال العبور 

الجماعي الأخير إلى سبتة ومليلية المحتلتين

الجهة المعدّة: العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان:

 اعتماداً على عمل مكتبها الجهوي بجهة طنجة تطوان الحسيمة بمعية مكتبيها بالمضيق الفنيدق وتطوان وعلى مكتبها الإقليمي بالناظور ومندوبها بسبتة المحتلة والمعاينات الميدانية والتقارير الرسمية والإعلامية.

 

النطاق الزمني للمعطيات: 31 يوليوز–31 غشت 2026، مع توظيف المصادر الدولية والسياقية السابقة عند الحاجة للمقارنة.

 

توطئة منهجية وقانونية

 

تندرج هذه الوثيقة ضمن التقارير الحقوقية التي تنجزها العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان في إطار اضطلاعها بدورها المدني والحقوقي في رصد أوضاع حقوق الإنسان، وتوثيق الانتهاكات والوقائع ذات الصلة، وجمع المعطيات وتحليلها، وإثارة النقاش العمومي حولها، بما ينسجم مع الحق في المشاركة في الشأن العام وحرية التعبير وتكوين الجمعيات، ومع الدور المعترف به للمجتمع المدني في حماية حقوق الإنسان والنهوض بها.

 

ويكتسي هذا التقرير طبيعة خاصة من حيث منهجية إعداده، إذ لم يصدر عن جهة رسمية أو عن لجنة إدارية أو قضائية للتحقيق، وإنما أنجز بإمكانيات مدنية مستقلة، اعتمادا على أعمال الرصد والتحري وجمع المعلومات التي اضطلعت بها أجهزة العصبة وبعثاتها ومكاتبها المحلية، وعلى ما أمكن الوصول إليه من معطيات وشهادات ووثائق ومصادر متعددة. ومن ثم، فإن التقرير لا يدعي الحلول محل السلطات المختصة في إجراء التحقيقات القضائية أو الإدارية، ولا يهدف إلى إصدار أحكام نهائية بشأن الوقائع أو المسؤوليات، وإنما يسعى إلى تقديم قراءة حقوقية تركيبية للمعطيات المتاحة، ووضعها في سياقها القانوني والحقوقي، وإبراز مواطن القلق والاختلالات التي تستدعي مزيدا من التحقق والمساءلة والشفافية.

 

وفي هذا الإطار، أصدر المكتب المركزي للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان توجيها إلى المكتب الجهوي للعصبة بجهة طنجة تطوان الحسيمة، كما أصدر توجيها مماثلا إلى المكتب الإقليمي للعصبة بالناظور، مباشرة بعد نفاذ خبر محاولات الاقتحام الأولى لكل من بابي سبتة ومليلية المحتلتين، وذلك من أجل مباشرة أعمال الرصد والتقصي وجمع المعطيات المتعلقة بالوقائع موضوع هذا التقرير، كل في نطاق مجال اختصاصه الترابي، وبما ينسجم مع المنهجية الحقوقية المعتمدة لدى العصبة. وقد تكلل عمل المكتبين بإعداد تقريرين أوليين تضمنا ما أمكن جمعه من إفادات ومعطيات وملاحظات ووقائع، قبل أن تتم عملية تجميع مادتهما ومقارنتها وتركيبها في وثيقة موحدة، بما يسمح بتقديم صورة أشمل عن الموضوع، مع مراعاة خصوصية كل مصدر وطبيعة المعطيات التي قدمها.

وحرص المكتب المركزي، بتنسيق مع المكتب الجهوي بجهة طنجة تطوان الحسيمة والمكتب الإقليمي بالناظور، على إصدار التقريرين الأوليين في أقرب وقت، وفاء بواجب الرصد وإطلاع الرأي العام على الوقائع في حينها. وقد اكتسب ذلك أهمية خاصة في ظل تأخر التواصل الرسمي المغربي، وعدم تقديم الأجوبة الكافية عن أسئلة المواطنات والمواطنين، مقابل كثافة المعطيات الواردة من المصادر الإسبانية وتعدد روايات المشاركين والشهود والصحافيين.

 

وفي هذا السياق، اعتمدت عملية إعداد التقرير على المعلومات التي أمكن لجهات التحقيق وبعثات العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان الوصول إليها وجمعها من مصادر مختلفة، بما في ذلك إفادات المواطنين والشهود، والمعطيات التي تم الحصول عليها من بعض المصادر المرتبطة بمؤسسات معينة، إضافة إلى ما توفر من وثائق أو معلومات ذات صلة. وقد اقتضت حماية بعض المصادر، عند الضرورة، حجب هوياتها أو صفاتها أو أي معطيات قد تسمح بالتعرف عليها، خصوصا عندما يكون الكشف عنها من شأنه تعريض أصحابها للضغط أو الانتقام أو المساس بسلامتهم أو بحقهم في الخصوصية. ويشكل احترام سرية المصادر جزءا من مقتضيات العمل الحقوقي المسؤول، متى كان ذلك ضروريا لحماية الأشخاص الذين ساهموا في إتاحة المعلومات.

 

كما أن التقرير يميز، من الناحية المنهجية، بين المعطيات التي تم التحقق منها بدرجة كافية، والمعطيات التي تم الحصول عليها من مصادر مباشرة أو غير مباشرة، وبين الإفادات التي تحتاج إلى مزيد من التحقق، وبين المعطيات الرسمية التي قد تكون محل مقارنة أو تدقيق في ضوء مصادر أخرى. وهذا التمييز ضروري حتى لا تتحول الوثيقة الحقوقية إلى مجرد تجميع غير نقدي للروايات، وحتى يظل القارئ قادرا على التمييز بين الوقائع، والمعلومات الأولية، والتحليل الحقوقي، والاستنتاجات التي خلص إليها التقرير.

 

ونظرا لتباين بعض المصادر واختلاف الروايات بشأن عدد من الوقائع، فإن بعض المعطيات، ولا سيما تلك المتعلقة بالوفيات والإصابات وبعض التفاصيل المرتبطة بتسلسل الأحداث والملابسات المحيطة بها، قد تظل متعارضة أو غير نهائية في حدود المعلومات التي أمكن للعصبة الوصول إليها وقت إعداد التقرير. وعليه، فإن مجرد إدراج أي معطى في هذه الوثيقة لا يعني بالضرورة تبني العصبة له باعتباره حقيقة قطعية ونهائية، وإنما يعني إدراجه في سياق التوثيق والتحليل، مع مراعاة درجة موثوقيته وطبيعة مصدره، وما إذا كان يحتاج إلى مزيد من التحقق أو المقارنة.

 

وفي المقابل، فإن وجود تفاوت أو عدم اكتمال في بعض المعطيات لا ينتقص من أهمية الأسئلة الحقوقية التي يثيرها التقرير، ولا يحول دون المطالبة بالتحقيق والكشف عن الحقيقة وتوفير المعلومات الرسمية الكاملة والموثوقة. فحين تتعلق الوقائع بحقوق أساسية، ولا سيما الحق في الحياة والسلامة الجسدية والكرامة الإنسانية، فإن واجب السلطات في التحقق والإفصاح والمساءلة يظل قائما، ولا ينبغي أن يؤدي غياب المعطيات النهائية إلى إغلاق النقاش العمومي أو تعطيل حق المجتمع في معرفة ما حدث.

 

وعليه، فإن الغاية الأساسية من هذا التقرير ليست إصدار حكم مسبق على الأشخاص أو المؤسسات، ولا استبدال التحقيقات القضائية أو الإدارية، وإنما الإسهام في توثيق الوقائع من منظور حقوقي مستقل، وإثارة الأسئلة التي تفرضها حماية حقوق الإنسان، والمطالبة بالشفافية وكشف الحقيقة، وضمان حق الضحايا وذويهم في معرفة الحقيقة والانتصاف، وفتح المجال أمام المؤسسات المختصة والمجتمع المدني والرأي العام لمناقشة الوقائع على أساس من المعطيات الموثقة والمسؤولية الحقوقية.

 

الملخص التنفيذي

 

يقدم هذا التقرير قراءة حقوقية تركيبية للأحداث التي شهدتها مناطق الفنيدق وباب سبتة المحتلة، وبني أنصار وفرخانة ومحيط مليلية المحتلة، خلال شهري يوليوز وغشت 2026، في سياق موجة غير مسبوقة من محاولات العبور الجماعي نحو سبتة، وما رافقها من وفيات وإصابات وتدخلات أمنية وعمليات منع ونقل وعودة، فضلا عن تداعيات إنسانية وحقوقية وقانونية ما تزال تحتاج إلى مزيد من التحقق والاستكمال.

 

ولا يقتصر التقرير على نتائج أعمال التقصي الميداني التي أنجزتها العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، وإنما يقوم على تركيب ومقارنة مجموعة من المصادر، تشمل نتائج المعاينات الميدانية للمكتب الجهوي للعصبة بجهة طنجة تطوان الحسيمة، بمساهمة المكتب الإقليمي للمضيق الفنيدق والمكتب الإقليمي لتطوان، والتقرير الأولي للمكتب الإقليمي بالناظور، والمعطيات التي تم جمعها من مصادر محلية وشهادات المواطنين والضحايا والناجين، إلى جانب التقارير والتصريحات الرسمية المغربية والإسبانية، والمعطيات الصادرة عن الهيئات الوطنية المستقلة، والمواد الإعلامية والصور ومقاطع الفيديو، وما توفر من معطيات طبية وقضائية، فضلا عن المعايير الدولية والاجتهاد القضائي الأوروبي ذي الصلة. وتنسجم هذه المنهجية مع طبيعة التقرير باعتباره تقريرا حقوقيا تركيبيا يجمع نتائج الرصد والتقصي والشهادات والمصادر الرسمية والدولية في قراءة واحدة، دون اعتبار أي مصدر منفرد حاسما في إثبات الوقائع أو تحديد المسؤوليات.

 

وتشير المعطيات المتقاطعة إلى أن المنطقة شهدت، خلال الفترة موضوع التقرير، موجة واسعة وغير مسبوقة من محاولات العبور إلى سبتة، شارك فيها مواطنون مغاربة وأجانب، ومن بينهم أطفال وقاصرون ونساء وأسر وأشخاص يوجدون في أوضاع من الهشاشة والإنهاك. كما تشير وسائل الاعلام الإسبانية إلى أن تدفق الأشخاص كان قد بدأ في الارتفاع قبل 30 يوليوز، بعد وصول أكثر من ألف شخص خلال الأسبوع السابق، قبل أن يتحول الوضع في نهاية الشهر إلى موجة جماعية واسعة شملت العبور برا وبحرا.

 

ولا يمكن فهم هذه التطورات من خلال عامل واحد، فقد تداخلت في إنتاج موجة العبور عوامل اقتصادية واجتماعية مرتبطة بالبطالة والهشاشة وتراجع فرص الاندماج والارتقاء الاجتماعي، مع تحولات في تطلعات بعض الشباب، وتداول واسع للمعلومات والصور والتجارب عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وظهور مضامين مضللة أو غير دقيقة حول إمكانية العبور وتغير قواعد التعامل مع الوافدين، فضلا عن احتمال استغلال بعض الشبكات أو الوسطاء لهذه الوضعية، كما ارتبط جزء من التعبئة بتأويلات متداولة لحكم قضائي إسباني يتعلق بإجراءات الإعادة الفورية، وهو ما استغلته بعض الجهات في صياغة روايات أو وعود حول إمكانية الدخول إلى سبتة. وتؤكد مصادر إسبانية رسمية وإعلامية أن هذه التأويلات كانت من بين العوامل التي ساهمت في رفع وتيرة التوافد، دون أن يعني ذلك أنها تمثل وحدها سببا كافيا لتفسير الظاهرة.

 

وتثبت المعطيات، بدرجة عالية، وقوع تجمعات بشرية ضخمة ومحاولات عبور جماعي، وتدخلات أمنية واسعة من الجانب المغربي والإسباني، وعمليات لمنع الوصول إلى المعابر والسياج والمناطق الساحلية، إضافة إلى حالات رشق بالحجارة وإتلاف أو تخريب بعض الممتلكات، كما توثق تسجيلات الفيديو المنسوبة إلى أكثر من مصدر بمواقع التواصل الاجتماعي،  عمليات نقل وعودة لأعداد كبيرة من الأشخاص الذين تمكنوا من الوصول إلى سبتة المحتلة؛ وقد أفادت وزارة الداخلية الإسبانية في 31 يوليوز بأن عشرات الآلاف عادوا إلى المغرب خلال فترة وجيزة، فيما قدرت السلطات الإسبانية عدد الوافدين في تلك المرحلة بعشرات الآلاف، مع اختلاف واضح بين التقديرات الرسمية المحلية والمركزية.

 

وتشكل الوفيات والإصابات إحدى أخطر نتائج هذه الأحداث وأكثرها إلحاحا من الناحية الحقوقية. غير أن التقرير يسجل – كما اتفقت على ذلك مصادر إعلامية ورسمية مختلفة – وجود تضارب كبير في الحصيلة، بما يجعل من غير المنهجي اعتماد رقم واحد باعتباره حصيلة نهائية قبل استكمال عمليات التحقق.

 فقد أعلنت السلطات المغربية، في أول حصيلة رسمية منشورة، وفاة 11 شخصا على الجانب المغربي، عشرة منهم بسبب الغرق وحالة وفاة واحدة نتيجة السقوط من منطقة صخرية. وفي المقابل، أعلنت السلطات الإسبانية في بداية غشت عن 72 وفاة على الأقل في الجانب الإسباني، قبل أن تتطور التقديرات الإعلامية والإسبانية اللاحقة إلى أرقام أعلى، مع بقاء بعض الأرقام محل نقاش حول نطاقها الزمني والمجالي وما إذا كانت تشمل وفيات مرتبطة بمحاولات عبور سابقة.

 

ويكتسي هذا التضارب أهمية قانونية وإنسانية تتجاوز مجرد الاختلاف في الإحصائيات، لأن كل وفاة تمثل شخصا له اسم وهوية وأسرة وحق في معرفة الحقيقة، ولذلك، لا يرى التقرير أن الحل يكمن في ترجيح رقم على آخر، وإنما في إنشاء سجل موحد وشفاف للوفيات والمفقودين والمصابين، يقوم على مطابقة سجلات المستشفيات والشرطة والنيابة العامة والسلطات الحدودية ومؤسسات حفظ الجثامين، وربطها بنتائج التشريح وتحديد الهوية وإفادات الأسر. وتزداد أهمية هذا الإجراء بالنظر إلى أن بعض التقارير الإسبانية تحدثت عن أعداد من الجثامين قد تشمل محاولات عبور سابقة، الأمر الذي يجعل المقارنة الحسابية المباشرة بين الأرقام أمرا غير سليم منهجيا.

 

ويؤكد التقرير، في المقابل، أن تضارب الحصيلة لا ينبغي أن يحجب السؤال الأساسي المتعلق بالحق في الحياة، ولا أن يؤجل واجب التحقيق؛ فالحق في الحياة لا يفرض فقط الامتناع عن الحرمان التعسفي من الحياة، وإنما يقتضي كذلك اتخاذ تدابير معقولة للوقاية والإنقاذ، وفتح تحقيق سريع ومستقل وفعال في حالات الوفاة عندما توجد مؤشرات على احتمال ارتباطها بالتدخلات الأمنية أو بظروف التدافع أو السقوط أو الغرق أو التأخر في الإنقاذ. ولذلك، فإن تحديد السبب المباشر لكل وفاة، ومكانها وزمانها وظروفها، وما إذا كان هناك تدخل أو امتناع أو تقصير من جانب أي جهة، يمثل شرطا أساسيا لبناء أي تقييم حقوقي جدي للمسؤولية.

 

كما تثير الأحداث أسئلة جدية بشأن استعمال القوة من جانب مختلف الأجهزة الأمنية، فمن جهة، لا يمكن إنكار حق الدولة في حماية حدودها ومنع اقتحام المعابر وحماية الأشخاص والممتلكات والنظام العام، ولا سيما في مواجهة تجمعات ضخمة قد تتضمن أعمال عنف أو تخريب أو تعرضا للخطر. غير أن مشروعية الهدف الأمني لا تجعل كل وسيلة مستعملة مشروعة تلقائيا، فاستعمال القوة يظل مقيدا بمبادئ الشرعية والضرورة والتناسب، وباختيار الوسيلة الأقل إضرارا، مع الالتزام بالإنقاذ والإسعاف والتوثيق والمساءلة.

 

وقد سجل التقرير شهادات ومواد مصورة تتضمن مزاعم بشأن الضرب والركل والرشق بالحجارة وبعض أشكال المعاملة المهينة أو القاسية، بما في ذلك مقاطع أثارت اهتماما واسعا للرأي العام. 

ولا يسمح التقرير، استنادا إلى المواد المتاحة وحدها، بالجزم بالمسؤولية الفردية أو بالقصد الجنائي لكل شخص يظهر في تلك المواد، لأن ذلك يتطلب فحصا تقنيا وقضائيا مستقلا، غير أن تعدد الإفادات ووجود مواد مصورة قابلة للفحص يجعل من الضروري فتح تحقيق مستقل في هذه المزاعم، وتحديد هوية الأشخاص المعنيين وسلسلة القيادة والأوامر الصادرة، والتحقق من مدى تناسب القوة المستعملة مع الخطر الفعلي القائم في كل حالة.

 

وفي هذا السياق، ينبغي عدم الخلط بين المسؤولية الفردية عن أعمال العنف أو التخريب وبين المسؤولية الجماعية، فارتكاب بعض المشاركين لأفعال غير قانونية، بما فيها الرشق أو إتلاف الممتلكات، لا يسقط عن باقي الأشخاص حقوقهم الأساسية، ولا يبرر الضرب العشوائي أو المعاملة المهينة أو الحرمان من الماء والعلاج أو الإعادة الجماعية دون فحص فردي، كما أن أي مسؤولية جنائية يجب أن تكون شخصية ومبنية على أدلة، مع احترام قرينة البراءة والحق في المحاكمة العادلة.

 

وتكتسي أوضاع الأطفال والقاصرين أهمية خاصة في هذه الأحداث؛ فقد شارك أطفال وقاصرون ضمن موجة العبور، كما تؤكد المعطيات الإسبانية أن أعدادا من القاصرين كانت من بين الوافدين. ويترتب على ذلك التزام خاص بتحديد السن، وحماية الأطفال من مناطق الخطر، وتوفير الرعاية والإسعاف والماء والغذاء، وضمان تقييم فردي لوضع كل قاصر، وعدم إخضاعه لإجراءات إعادة أو نقل جماعية لا تراعي سنه ومصلحته الفضلى ووضعه الأسري والقانوني؛ وقد سبق للمؤسسات الإسبانية المختصة، ولا سيما أمين المظالم، أن شددت في قضايا سابقة بسبتة ومليلية المحتلتين على ضرورة احترام الضمانات القانونية الخاصة بالقاصرين وعلى ضرورة تقييم وضعهم بصورة فردية.

 

أما عمليات العودة والإعادة، فإنها تمثل أحد أكثر الملفات حساسية في هذه النازلة، إذ يقتضي التقييم الحقوقي التمييز بين العودة الطوعية، والإعادة الإدارية، والرفض على الحدود، والإعادة الفورية، والنقل داخل التراب الوطني. كما يقتضي تحديد هوية كل شخص وسنه ووضعه الصحي واحتياجاته للحماية، وإتاحة إمكانية طلب اللجوء أو الحماية الدولية عندما تكون هناك مؤشرات تستدعي ذلك، واحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، وعدم نقل أي شخص إلى وضع قد يعرضه للتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية أو غيرها من الانتهاكات الجسيمة.

 

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بالنظر إلى أن لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب أعربت عن قلقها إزاء “عوائق الوصول الفعلي إلى إجراءات الحماية الدولية على حدود سبتة ومليلية، وإزاء ممارسات الإعادة الفورية”، مؤكدة أهمية احترام الإجراءات القانونية ومبدأ عدم الإعادة القسرية. كما أن توصيات أمين المظالم الإسباني بشأن إجراءات الإعادة في سبتة ومليلية شددت على ضرورة القرار الإداري، والمساعدة القانونية والترجمة، وإعلام الشخص بإمكانية طلب الحماية الدولية، والتحقق من السن ومؤشرات الاتجار بالبشر.

 

ويثير التقرير كذلك مسألة الظروف الإنسانية التي أحاطت بالأشخاص الذين وصلوا إلى سبتة أو ظلوا عالقين في محيط الحدود. فقد أشارت تقارير إعلامية إلى وجود أعداد كبيرة من الأشخاص في الشوارع وفي ظروف صعبة، وإلى ضغط كبير على مرافق الاستقبال، كما سجلت تقارير أخرى حالات إنهاك وعطش وجوع وإصابات. ولا يمكن النظر إلى توفير الماء والغذاء والإسعاف والرعاية الأساسية باعتباره امتيازا مرتبطا بالوضع القانوني للمهاجر، وإنما باعتباره جزءا من واجب حماية الكرامة الإنسانية والسلامة الجسدية، وبصفة خاصة بالنسبة للأطفال والمصابين والأشخاص في أوضاع هشاشة.

 

وفي الوقت نفسه، يسجل التقرير بقلق بروز خطابات عدائية وعنصرية ضد المهاجرين، وورود مزاعم بشأن اعتداءات أو تحريض على الكراهية في سبتة، وهو ما يفرض على السلطات المختصة واجبا إيجابيا في الحماية والتحقيق والملاحقة الفردية للمعتدين، دون تعميم المسؤولية على جماعات أو جنسيات بأكملها، ذلك لأن مكافحة خطاب الكراهية لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير للعنف أو إلى اعتقالات ومحاكمات عشوائية أو إلى مصادرة الحق في التعبير أو إلى تجريد المهاجرين من حقوقهم الأساسية.

 

وتكشف القراءة التركيبية للأحداث عن أن المسؤولية، حيثما ثبتت، لا يمكن اختزالها مسبقا في طرف واحد. فالمغرب وإسبانيا يتحمل كل منهما التزاماته في نطاق اختصاصه وسيطرته الفعلية، ولا يؤدي التعاون الحدودي أو التنسيق الأمني إلى إنشاء منطقة مستثناة من قواعد حقوق الإنسان. وفي المقابل، فإن الأفراد أو الشبكات التي قد يثبت تورطها في التحريض على عبور خطير أو الاتجار بالبشر أو استغلال الأشخاص أو ارتكاب العنف والتخريب، يجب أن تتحمل مسؤوليتها الفردية متى أثبتتها تحقيقات مستقلة ووفقا للضمانات القانونية.

 

وتخلص القراءة العامة إلى أن أحداث أواخر يوليوز وغشت 2026 لا يمكن، فقط، تفسيرها تفسيرا أمنيا محضا، كما لا يمكن اختزالها في تفسير اقتصادي أو اجتماعي محض، فهي هذا وذاك،  إنها نتاج تفاعل معقد بين عوامل اقتصادية واجتماعية وتطلعات متغيرة، وضغوط مرتبطة بسياسات الحدود، وتعبئة رقمية واسعة، ومعلومات مضللة أو غير دقيقة، واحتمال تدخل وسطاء أو شبكات، إضافة إلى استجابات أمنية وإنسانية وقانونية من جانب المغرب وإسبانيا. ومن ثم، فإن أي معالجة مستدامة للظاهرة ينبغي أن تتجاوز منطق المنع الأمني وحده إلى معالجة الأسباب البنيوية وفتح مسارات آمنة وقانونية وفعالة للهجرة والحماية، مع تعزيز آليات الإنقاذ والاستقبال والتعاون القضائي والحقوقي.

 

وبناء على ذلك، يرى التقرير أن الأولوية الحقوقية العاجلة تتمثل في تثبيت الحقيقة بشأن عدد الوفيات والمفقودين والمصابين وهوياتهم، وتحديد أسباب الوفاة والإصابة وظروفها، والتمكن من ما إذا كانت ظروف الوفاة هي نفسها التي تم الإقرار بها، أو أن بعض حالات الوفاة كانت بسبب استعمال العنف خاصة من طرف عناصر قوة الاعتراض الاسباني، وفق ما زعمت أطرف في حديثها لفريق التحقيق في العصبة، والتحقق من كيفية تنفيذ عمليات المنع والإعادة، وفحص مدى احترام قواعد استعمال القوة، وتحديد ما إذا كانت آليات الإنقاذ والإسعاف قد عملت بالسرعة والفعالية المطلوبتين، والتحقق من تمكين الأشخاص الذين كانت لديهم مؤشرات حماية من الوصول إلى إجراءات اللجوء والحماية الدولية، ولا سيما الأطفال والأشخاص المنتمين إلى فئات معرضة للخطر.

 

كما يدعو التقرير إلى إنشاء آلية مستقلة وموثوقة للتحقيق في الوفيات والإصابات ومزاعم سوء المعاملة، مع تمكينها من الوصول إلى السجلات الطبية والقضائية والأمنية والمواد المصورة، والاستماع إلى الشهود والأسر والناجين، وحفظ الأدلة، وإنشاء سجل موحد وقابل للمراجعة للضحايا والمفقودين والمصابين. ولا ينبغي أن يقتصر التحقيق على تحديد عدد الضحايا، وإنما يجب أن يعيد بناء ظروف كل وفاة أو إصابة على حدة، ويحدد المسؤوليات المحتملة على أساس الأدلة.

 

وفي المحصلة، يؤكد التقرير أن حماية الحدود وإدارة الهجرة أهداف مشروعة للدول، لكنها لا تنشئ منطقة استثناء من حقوق الإنسان. فالحق في الحياة، والسلامة الجسدية، والحماية من التعذيب والمعاملة القاسية أو المهينة، وحماية الطفل، والحق في طلب الحماية، ومبدأ عدم الإعادة القسرية، والحق في الإجراءات القانونية الفردية، وواجب التحقيق الفعال، تظل قيودا قانونية واجبة الاحترام في كل تدبير حدودي.

 

وعليه، فإن القيمة الأساسية لهذا التقرير لا تكمن في تقديم حصيلة نهائية للضحايا أو إصدار أحكام مسبقة بشأن المسؤوليات، وإنما في وضع ما أمكن جمعه من المعطيات أمام الرأي العام والمؤسسات المعنية، وترتيبها وفق منهجية تميز بين الثابت والمحتمل وغير المحسوم، وتحديد ما يحتاج إلى تحقيق أو تحقق إضافي، بما يسمح ببناء مسار جدي نحو الحقيقة والمساءلة والانتصاف.

 

نوع الوثيقة وظيفتها  الأساسية موقعها في هذا التقرير 
تقرير رصد حقوقي تسجيل الوقائع والانتهاكات ومتابعتها زمنيا يوفر الرصد المستمر للحدود والضحايا والتدخلات
تقرير تقصي حقائق التحقيق في واقعة أو مجموعة وقائع وإعادة بناء الحقيقة يوفر المعاينات والشهادات ومصفوفة الأدلة
تقرير حقوقي تركيبي جمع نتائج التقصي والرصد والتقارير والشهادات والمصادر وتحليلها حقوقياً هو الصيغة النهائية المقترحة للعصبة

 

2. سؤال التقرير:

 

القسم الثاني: المنهجية ومصادر التقرير

  • هرم المصادر:

 

اعتمد التقرير ترتيبا وظيفيا للمصادر لا يقوم على افتراض أن المصدر الرسمي صحيح تلقائيا أو أن المصدر المدني غير موثوق تلقائيا، حيث يُقاس وزن كل معلومة بمدى استقلال مصدرها، وقابليتها للتحقق، وتقاطعها مع مصادر أخرى، ووضوح زمانها ومكانها وسلسلة حيازتها.

 

أمثلة في هذا التقرير الوظيفة والحدود فئة المصدر
لجنة تقصي الحقائق، المكتب الإقليمي الناظور، مكتب جهة طنجة – تطوان –الحسيمة –المكتب الإقليمي المضيق الفنيدق –  مندوب العصبة بسبتة المحتلة، زيارة الكاتب الإقليمي لفرع الناظور إلى مليلية المحتلة.

معاينة ميدانية وشهادات؛ 

تقارير العصبة ولجن التقصي
وزارة الداخلية، النيابة العامة، السلطات المحلية توفر الإحصائيات الرسمية والرواية المؤسساتية؛ يلزم اختبار الاستقلال والاكتمال المصادر الرسمية المغربية
السلطات المحلية بسبتة، أجهزة الإنقاذ والصحة، التصريحات الرسمية وفرت معطيات الجانب الإسباني؛ تختلف عن المعطيات المغربية المصادر الإسبانية
المجلس الوطني لحقوق الإنسان، أمين المظالم الإسباني وفرت رصدا حقوقيا وملاحظات مؤسساتية مستقلة نسبياً الهيئات الوطنية المستقلة
OHCHR، المحكمة الأوروبية، UNHCR والآليات الأممية المنظمات الحقوقية  توفر معايير ومقارنات وتقييمات خارجية؛ ليست كلها خاصة بأحداث 2026 المصادر الدولية
المهاجرون والناجون والأسر والساكنة والفاعلون الصحيون تكشف التجربة الإنسانية؛ تمت حمايتها ومقارنتها ولم يتم تعميمها دون تحقق الشهادات
صور، فيديوهات، سجلات طبية، محاضر، وثائق قضائية قد تثبت الزمان والمكان أو الإصابة؛ مع الحرص على فحص الأصالة وسلسلة الحيازة الوثائق والمواد التقنية

 

2. قواعد التحقق:

يميز التقرير بين أربع درجات:

 

*لا تُرفع المعلومة إلى درجة الواقعة المثبتة إلا إذا دعمتها معاينة مباشرة أو وثيقة أصلية أو مصدران مستقلان على الأقل، أو أقر بها مصدر رسمي مع قابلية التحقق.

*تخضع الصور والفيديوهات للفحص التقني من حيث تاريخ النشر، وموقع التصوير، واستمرارية المشاهد، ووجود علامات القص أو التركيب، ولا تكفي الصورة لإثبات المسؤولية الفردية أو القصد الجنائي، لكنها قد تكون قرينة تستوجب التحقيق.

* تُسجّل الشهادات في محاضر سرية، مع حماية الأطفال والضحايا من كشف الهوية أو إعادة الصدمة.

 

القسم الثالث: السياق والكرونولوجيا

  • السياق العام:

 

توجد سبتة ومليلية المحتلتين في نقطة التقاء حدود برية وبحرية ومصالح أمنية وهجرية متداخلة، بما يجعل المنطقة فضاءً شديد الحساسية تتقاطع فيه اعتبارات الأمن ومراقبة الحدود والهجرة وحقوق الإنسان؛ وقد ساهمت صعوبة الولوج إلى المسارات النظامية للعبور، إلى جانب تفاوت فرص العمل والخدمات، في خلق ضغوط متراكمة لدى فئات من الشباب والمهاجرين، خصوصا في ظل تداول روايات ومعلومات متباينة حول إمكانات العبور والوصول إلى المدينتين المحتلتين.

تفيد المعطيات المرفقة بأن التوافد تصاعد منذ منتصف يوليوز الماضي، في سياق اتسم بارتفاع مستوى الترقب وتداول دعوات ومعلومات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، حيث استعمل الفضاء الرقمي في بعض الحالات للتعبئة والتنسيق والترويج لما قدم باعتباره خدمات أو وسائل للعبور، بالتوازي مع تداول معلومات غير دقيقة أو مضللة، بما قد يكون قد ساهم في رفع التوقعات وتوسيع نطاق المشاركة. 

كما تبرز في هذا السياق مؤشرات تستدعي التحقق بشأن احتمال وجود وسطاء أو شبكات تستغل هشاشة بعض الأشخاص وتستفيد من رغبتهم في العبور.

ولا تختزل هذه العوامل الظاهرة في الفقر وحده؛ فقد أظهرت الشهادات والمعطيات المتاحة تحولا في تطلعات بعض الشباب، وتأثيرا متزايدا للمجتمعات الرقمية التي تعيد تشكيل تصورهم للحدود وإمكانات التنقل، فضلا عن شعور بالانسداد لدى فئات ترى محدودية الفرص المتاحة أمامها، إضافة إلى عوامل اقتصادية واجتماعية مرتبطة بالبطالة والهشاشة وصعوبة الولوج إلى بعض الخدمات والفرص.

كما ينبغي وضع هذه التطورات ضمن سياق أوسع يتمثل في التحولات التي عرفتها أنماط الهجرة والعبور خلال السنوات الأخيرة، حيث لم يعد القرار مرتبطا فقط بالظروف الاقتصادية المباشرة، بل أصبح يتأثر أيضا بالمعلومات المتداولة على المنصات الرقمية، وبصور وتجارب أشخاص سبق لهم الوصول إلى الضفة الأخرى، وبالتوقعات التي تنتجها شبكات التواصل الاجتماعي، ما يجعل أي مقاربة للظاهرة مطالبة بالنظر إلى العوامل المحلية والحدودية والرقمية في ترابطها.

ويكتسي العامل الأمني أهمية خاصة في هذا السياق، بالنظر إلى طبيعة الحدود المحيطة بسبتة ومليلية المحتلتين، غير أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على التدابير الأمنية وحدها؛ فكلما ضاقت قنوات العبور النظامي وتراجعت إمكانات الوصول الآمن والقانوني، ازدادت احتمالات اللجوء إلى مسارات غير نظامية وأكثر خطورة، وهو ما يفرض تحقيق توازن بين مقتضيات تدبير الحدود وبين الالتزامات المتعلقة بحماية الأرواح والكرامة والسلامة الجسدية وحقوق الأشخاص في وضعية هجرة.

ومن ثم، فإن فهم التطورات التي شهدتها المنطقة يقتضي النظر إليها باعتبارها نتيجة تفاعل عدة عوامل متزامنة: عوامل اقتصادية واجتماعية، وتحولات في تطلعات الشباب، وتشديد مراقبة الحدود، وتداول المعلومات الرقمية، ودور الوسطاء المحتملين، فضلا عن السياق الإقليمي للهجرة…

ولا ينبغي التعامل مع أي من العوامل، المذكورة آنفا، باعتبارها تفسيرا منفردا للظاهرة، وإنما باعتبارها عناصر متداخلة تحتاج إلى مزيد من التحقق والمقارنة مع المعطيات الرسمية والميدانية وشهادات الأشخاص المعنيين.

وفي هذا الإطار، تكتسب الكرونولوجيا أهمية خاصة، لأنها تسمح بتتبع تطور الأحداث زمنيا، ورصد التحول من مؤشرات التوافد الأولية إلى مراحل التعبئة والتجمع ومحاولات العبور، ثم تحديد طبيعة التدخلات التي رافقت كل مرحلة، بما في ذلك التدخلات الأمنية والإنسانية والطبية، وتقييم مدى تناسبها مع طبيعة المخاطر القائمة.

 

2. التسلسل الأولي للأحداث

لم تبدأ أحداث 30 يوليوز 2026 بصورة مفاجئة، ولم تكن، وفق ما تكشفه المعطيات المتقاطعة، مجرد تجمع عفوي نشأ خلال ساعات قليلة على الحدود. فقد سبقت ذلك، خلال أسابيع، مؤشرات متزايدة على ارتفاع وتيرة محاولات العبور، وعلى انتقال الرغبة في الوصول إلى سبتة ومليلية من محاولات فردية ومحدودة إلى تحركات جماعية أخذت تتسع تدريجيا من حيث عدد المشاركين ومجالها الجغرافي، بالتوازي مع انتشار واسع لمضامين رقمية تتناول شروط العبور والإعادة من الجانب الإسباني.

وتشير المعطيات التي اعتمدها المجلس الوطني لحقوق الإنسان في رصده الميداني والرقمي إلى أن بداية هذه الدينامية تعود إلى شهر يونيو، قبل أن تتخذ منحى أكثر وضوحا خلال شهر يوليوز. وفي الفترة الممتدة من 8 إلى 13 يوليوز، رصدت فرق المجلس انتشار تأويلات مضللة عبر منصات رقمية بشأن قرار قضائي إسباني، تم تقديمه في بعض المضامين على أنه يعني منع الإعادة الفورية وفتح الحدود أمام الراغبين في الوصول إلى سبتة. 

وبين 14 و19 يوليوز، سجلت محاولات جماعية متكررة في عدد من المناطق، من بينها الناظور وطاراخال وبليونش، في حين تشير المعطيات الرسمية الاسبانية نفسها إلى تسجيل نحو 1500 حالة عبور أو محاولة عبور نحو سبتة المحتلة خلال الفترة الممتدة من 15 إلى 27 يوليوز.

ولم تكن هذه التحركات مقتصرة على فئة عمرية أو اجتماعية واحدة، فقد أظهرت المعطيات الميدانية وجود شباب وقاصرين وأطفال ونساء وأسر ضمن الأشخاص المتجهين إلى المناطق الحدودية، بما في ذلك أشخاص قدموا من مدن ومناطق مختلفة من المغرب، وهو ما يؤكد أن الظاهرة لم تكن، فقط، حركة محدودة لأشخاص يوجدون بصورة دائمة في المناطق الحدودية، وإنما شهدت، تدريجيا، توسعا في دائرة المشاركين وفي أماكن انطلاقهم.

وفي 17 يوليوز، أفادت المعطيات التي أوردها المجلس الوطني لحقوق الإنسان بأن البحرية الملكية المغربية أوقفت محاولة جماعية لعدد من الأشخاص كانوا يحاولون الوصول سباحة إلى سبتة، فيما سجل يوم 19 يوليوز توقيف محاولة جماعية أخرى قوامها نحو 200 شخص عبر منطقتي تاراخال وبليونش. كما شهدت الأيام الموالية محاولات متكررة للعبور سباحة، كان من بينها ما سجل في 28 يوليوز، عندما تمكنت مجموعة تجاوز عدد أفرادها مائة شخص من الوصول إلى سبتة المحتلة، من بينهم شابة من العرائش، قبل أن تنتشر صورتها رفقة صديقتها داخل المدينة على نطاق واسع عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وأصبحت الصورة، إحدى المواد التي استعملت في الترويج لتأويلات غير دقيقة بشأن الحكم القضائي الإسباني وإمكان العبور.

وفي اليوم نفسه، وقبل بلوغ الأحداث ذروتها، كانت سبتة تشهد بالفعل محاولات متكررة للعبور سباحة، إذ أفادت مصادر أمنية نقلت عنها وكالة الأنباء الإسبانية «إيفي» بأن أكثر من 70 شخصا تمكنوا في إحدى المحاولات من الوصول إلى المدينة، في حين أحبطت السلطات المغربية أكثر من 200 محاولة أخرى، في سياق شهد كذلك محاولات سابقة خلال منتصف يوليوز، المعطى الذي كشف أن هذه الوقائع ومعها الطريق البحري لم يظهر فجأة يوم 30 يوليوز، وإنما كان أحد المسارات التي جرى اختبارها بصورة متكررة خلال الأيام السابقة.

غير أن يومي 29 و30 يوليوز شكلا نقطة التحول الأساسية، ففي هذين اليومين انتقلت المضامين المتداولة في الفضاء الرقمي من أخبار وتأويلات إلى رسائل ذات طابع تعبوي مباشر، تضمنت، بحسب إفادات، استمعت إليها العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، دعوات للتوجه إلى مدينة الفنيدق والاقتراب من بوابة العبور بعد منتصف الليل من أجل القيام بعملية عبور جماعية. كما انتشرت أخبار تفيد بأن «الحدود مفتوحة»، وهو ما ساهم في جذب أعداد متزايدة من الشباب والقاصرين والعائلات إلى المنطقة. وقد رصد المجلس الوطني لحقوق الانسان في تقريره، في هذا السياق نشاطا مكثفا لـ23 مجموعة على موقع فيسبوك، تضم مجتمعة أكثر من مليون عضو، إضافة إلى انتشار محتويات على إكس وإنستغرام وتيك توك وتطبيقات التراسل.

ورغم اعتبار بعض المراقبين أن الحديث عن التعبئة والتهييج وسط الشباب يندرج ضمن «نظرية المؤامرة»، فإن معطيات موثقة من الجانب الإسباني، بدورها، تؤكد وجود تعبئة رقمية واسعة سبقت محاولات العبور الجماعي، حيث وثقت صحيفة إل باييس في 4 غشت 2026 انتشار دعوات عبر فيسبوك وواتساب، خصوصا بين الشباب المغاربة، لتنظيم عبور جماعي نحو سبتة يوم 15 غشت، كما أظهر تحقيقها وجود مجموعات تضم مئات الآلاف من الأعضاء وتداول معلومات بشأن طرق الوصول والعبور، أكدت، في مقالات متفرقة، أن الحرس المدني الإسباني في 6 غشت 2026 تحقق في دعوة جديدة لاقتحام سبتة في 15 غشت جرى تداولها على شبكات التواصل.

وتعززت هذه المعطيات بمواقف رسمية إسبانية، إذ أكدت وزيرة الدفاع مارغريتا روبلس في 25 غشت 2026 أن المركز الوطني للاستخبارات الإسباني CNI أبلغ الأجهزة الأمنية والسلطات المحلية مسبقا بمعلومات حول محاولة العبور الجماعي، فيما نفى وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا وجود تقارير استخباراتية بالصيغة نفسها، بما يكشف عن خلاف داخل الحكومة الإسبانية بشأن طبيعة التحذيرات التي سبقت الأحداث. وفي المقابل، استبعدت روبلس وجود مشاركة مباشرة للمغرب، واعتبرت أن التحرك جرى بفعل أفراد تمت تعبئتهم عبر شبكات التواصل، مع احتمال وجود أطراف قد تكون لها مصلحة في توظيف الأزمة لأغراض زعزعة الاستقرار.

وبناء على ذلك، فإن المعطيات المتوفرة تسمح بالقول إن التعبئة الرقمية المنظمة أو شبه المنظمة كانت عاملا حقيقيا في تطور الأحداث، لكنها لا تثبت، في حد ذاتها، تورط الدولة المغربية أو أي دولة أخرى في تنظيمها. بل إن تحقيقا نشرته «إل باييس» في 8 غشت 2026 وصف العملية بأنها ذات طابع منظم، مع إخفاء منظميها لهوياتهم، وربطها أساسا بدوافع اقتصادية، بينما ظلت هوية الجهة التي تقف وراءها غير محسومة. أما ما أثير في 26 غشت بشأن احتمال وجود «دول أو جهات نظامية» وراء التعبئة، فينبغي، عرضه باعتباره فرضية أو معطى يفترض التحقيق وليس حقيقة مثبتة، إلى حين ظهور أدلة مستقلة وعلنية تثبت ذلك. لكن فكرة استبعاد المغرب ظلت تتردد بشكل مستمر لدى المسؤولين الاسبان كان آخرهم رئيس الحكومة الاسبانية بيدرو سانشيز الذي نفى بشكل قطعي أية علاقة للمغرب بما جرى وذلك صبيحة يوم الاثنين 31 غشت 2026.

ولا يعني كل ما سبق أن التضليل الرقمي وحده يفسر ما حدث، فالمعطيات المتاحة والتي أشار إليها التقرير الأولي للمكتب الجهوي للعصبة بطنجة تطوان الحسيمة، تشير إلى تداخل عدة عوامل، من بينها الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، والرغبة في الهجرة، وتداول معلومات عن إمكان العبور، وتجارب أشخاص سبق أن تمكنوا من الوصول إلى سبتة المحتلة، فضلا عن سوء فهم أو توظيف غير دقيق لبعض التطورات القضائية الإسبانية. ولذلك، فإن اختزال الأحداث في فرضية واحدة، سواء تعلق الأمر بشبكات تهريب الأشخاص أو بالتضليل الرقمي أو بقرار السلطات في أحد جانبي الحدود، لا يبدو منسجما مع طبيعة المعطيات المتوفرة، التي تشير إلى تفاعل عوامل متعددة في إنتاج موجة العبور.

ومع حلول يوم 30 يوليوز، كانت مدينة الفنيدق ومحيط باب سبتة المحتلة قد تحولا إلى مجال لتجمع أعداد كبيرة من الأشخاص القادمين من مناطق مختلفة. وتشير المعاينة الميدانية بعثات العصبة سواء بالفنيدق أو ببني انصار إلى أن من بين هؤلاء أطفالا وقاصرين ونساء وأسر، إلى جانب أعداد كبيرة من الشباب… وفي الوقت نفسه، كانت مجموعات أخرى تتحرك في اتجاه مليلية المحتلة، خصوصا في محيط بني أنصار وفرخانة والمناطق القريبة من السياج والساحل، وهو معطى تضمنه التقرير الأولي للمكتب الإقليمي للعصبة بالناظور، وهكذا، لم تعد الأحداث محصورة في نقطة واحدة، وإنما اتخذت طابعا متزامنا أو متقارب التوقيت في جبهتين حدوديتين مختلفتين.

وفي سبتة المحتلة، اتجه آلاف الأشخاص نحو المدينة عبر البحر والبر، في مشهد فاق في حجمه قدرة المرافق المحلية على الاستيعاب. وأظهرت تقارير صحفية دولية أن أعدادا كبيرة حاولت السباحة أو استخدام وسائل بدائية للطفو، فيما سلك آخرون المسالك الساحلية أو حاولوا تجاوز الحواجز الحدودية، وقد قدرت السلطات الإسبانية لاحقا عدد الأشخاص الذين وصلوا إلى سبتة بعشرات الآلاف، فيما تراوحت التقديرات المختلفة بين نحو 50 ألفا و60 ألف شخص أو أكثر بحسب الجهة التي أصدرت الرقم. ويظل اختلاف الأرقام قائما، وهو ما يقتضي، تقديم رقم نهائي للضحايا أو للعابرين مع الادلاء بآليات ومؤشرات التحقق التي جعلت المؤسسات الرسمية المغربية أو الإسبانية تقدر أرقاما تتعلق بعدد العابرين والضحايا والعائدين والمتبقين.

لقد كانت هذه الحركة الجماعية مصحوبة بمخاطر بالغة على حياة الأشخاص وسلامتهم الجسدية، اذ اضطر عدد كبير منهم إلى قطع مسافات سباحة في ظروف اتسمت بكثافة الأعداد وصعوبة التحكم في الحركة، فيما حاول آخرون الوصول عبر مناطق ساحلية وحواجز وممرات ضيقة. 

وفي ظل هذا الوضع، بدأت أخبار الوفيات والإصابات بالظهور تباعا، إذ تشير السلطات الإسبانية، الى حدود ال 5 من غشت، وفق ما نقلته هيومن رايتس ووتش، إلى وفاة ما لا يقل عن 72 شخصا، غرق عدد كبير منهم أثناء محاولة الوصول سباحة، فيما توفي آخرون أثناء محاولات تجاوز الحواجز الحدودية.

وفي المقابل، ظهرت أرقام أخرى أقل أو أعلى بحسب مصدر المعطى وتاريخ صدوره، الأمر الذي يعكس استمرار عدم الاستقرار في حصيلة الضحايا، لكن تقرير المكتب الجهوي للعصبة بطنجة تطوان الحسيمة وإفادات المكتب الاقليمي بالمضيق الفنيدق وتحقيق مندوب العصبة بسبتة المحتلة، كلها تشير إلى أن عدد الضحايا قد يكون تجاوز المائة في لدى الولاية الترابية الاسبانية وقارب الأربعين من جهة  المغرب.

وفي الجانب المغربي، لم تكن الأحداث أقل تعقيدا. فقد تدخلت القوات العمومية لمنع تقدم مجموعات كبيرة نحو المعابر والمناطق الحدودية، في وقت شهدت فيه بعض المواقع مواجهات وأعمال رشق بالحجارة وإضرام النار في مركبات وإلحاق أضرار بممتلكات عمومية وخاصة، وفق ما وثقته بعثة العصبة إبان الحدث. 

وسجلت المعطيات التي جمعتها العصبة المغربية المغربية للدفاع عن حقوق الانسان وأوردتها في تقاريرها الأولية، هذه الوقائع في الفنيدق ومحيط سبتة المحتلة، وكذلك في بني أنصار وفرخانة ومحيط مليلية المحتلة . كما أفادت مصادر دولية بأن القوات المغربية استخدمت، في سياق صد محاولات العبور، وسائل لتفريق الحشود، من بينها الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، إلى جانب الانتشار الأمني المكثف.

وتستوجب هذه الوقائع التمييز بين مستويين من المسؤولية: 

  • الاعتداء على الأشخاص أو القوات العمومية، ورشقها بالحجارة، وإتلاف الممتلكات أو إحراقها، أفعال تستوجب التحقيق وتحديد المسؤوليات الفردية عنها وفقا للقانون. 
  • لا يرفع صدور العنف عن بعض المشاركين التزامات السلطات بحماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية، ولا يبرر استعمال قوة غير ضرورية أو غير متناسبة ضد أشخاص لم يثبت تورطهم.

 ولذلك يقوم تقييم التدخل الأمني على طبيعة الخطر في كل واقعة، ودرجة القوة المستعملة، ومدى ضرورتها وتناسبها، والفئات المستهدفة، والنتائج المترتبة عنها، بالاستناد إلى المصادر الرسمية وتقارير بعثات العصبة بالناظور والفنيدق ومعطيات مندوبيها في سبتة ومليلية المحتلتين.

 

ومع تراجع قدرة الحشود على مواصلة التحرك، بدأت موجات من العودة من سبتة نحو المغرب، وتشير المعطيات الحقوقية إلى أن عددا كبيرا من الأشخاص عادوا إلى الجانب المغربي، بينما نقل آخرون بواسطة الحافلات من الفنيدق إلى مدن أخرى حيث قدر التقرير الأولي للعصبة عدد الحافلات بحوالي 50 حافة نقلت العائدين بشكل عشوائي إلى مدن لا علاقة لها بمدنهم الأصلية، وفي هذه المرحلة بدأت الأحداث تنتقل من لحظة العبور الجماعي إلى مرحلة التداعيات الإنسانية والاجتماعية والأمنية، بما فيها البحث عن المفقودين، وتحديد هويات المتوفين، وتدبير أوضاع القاصرين، والتعامل مع الأشخاص الذين عادوا وهم يعانون إصابات أو إنهاكا شديدا، فضلا عن الأسر التي فقدت الاتصال بأفراد منها، وهو ما رسخ القناعة لدى فرق تحقيق العصبة إلى أن تدبير العملية قد سيطر عليها الهاجس الأمني والرغبة في الإجلاء، وغاب عنها الحرص على سلامة القاصرين والفتيات. لذلك فقد تدخل الكاتب الاقليمي للعصبة بالمضيق الفنيدق لدى السلطات المحلية والأمنية وطلب عدم نقل أبناء الإقليم والاقاليم المجاورة في الحافلات، وقد استجابت السلطات لهذا المطلب بعدما تبين لها أن العملية قد تخلق توترا لدى الاسر والعائدين المنتمين الى المنطقة.

كما عاينت فرق العصبة، أشخاصا عائدين تظهر على أجساد بعضهم آثار ضرب وندوب، فيما كان آخرون يعانون صعوبة في المشي نتيجة الإنهاك أو الإصابات أو ما وصفته الإفادات بالتعرض للضرب والركل، إذ بادرت فرق العصبة إلى استجواب عينات من هؤلاء أكدوا تعرضهم لاعتداءات شنيعة ومهينة من طرف إسبانيين بزي مدني وآخرون بزي نظامي. وهذه الإفادات، بحكم طبيعتها، تحتاج إلى التحقق الفردي والطبي والقضائي، لكنها تظل معطيات ذات أهمية في تحديد مسارات التحقيق اللاحقة، اذ سيتم التفصيل في جزئياتها والأحداث والوقائع المرتبطة بها  في الأقسام اللاحقة.

وفي 31 يوليوز، لم تكن تداعيات العبور قد انتهت. ففي سبتة المحتلة استمرت السلطات الإسبانية في التعامل مع أعداد كبيرة من الوافدين، في وقت كانت فيه مرافق الاستقبال قد تعرضت لضغط استثنائي. كما بدأت عمليات العودة إلى المغرب، بينما ظل عدد من الأشخاص، وبينهم قاصرون، في وضعية انتظار أو إيواء غير مستقر. وأفادت منظمة العفو الدولية بأن آلاف الأشخاص كانوا ينامون في الشوارع، ودعت السلطات الإسبانية إلى توفير موارد صحية واجتماعية كافية، ولا سيما لفائدة الأطفال والأشخاص الأكثر عرضة للخطر.

أما في مليلية المحتلة، اتخذت الأحداث مسارا مختلفا من حيث الحجم، لكنها لم تكن منفصلة عن موجة التعبئة نفسها. فقد حاولت مجموعات من الأشخاص الوصول إلى المدينة عبر محيط بني أنصار وفرخانة والمناطق القريبة من السياج والساحل، وأغلقت السلطات الإسبانية معبر بني أنصار مؤقتا على خلفية محاولة دخول جماعية. وتشير المعطيات الإسبانية إلى وصول نحو 130 شخصا إلى مليلية المحتلة خلال المرحلة الأولى، كان من بينهم 84 قاصرا، وهو ما يبرز مرة أخرى حضور الأطفال والقاصرين في قلب هذه الأزمة.

وبالتوازي مع ذلك، فرضت السلطات المغربية، خلال الفترة الممتدة بين 29 و31 يوليوز، قيودا على حركة التنقل من عدد من المدن باتجاه الشمال، مع تسجيل توقيف أو إلغاء رحلات كانت متوجهة إلى مناطق الفنيدق وتطوان والمناطق المحاذية. ويظهر هذا الإجراء انتقال السلطات من الاستجابة المباشرة للتجمعات الحدودية إلى محاولة منع تشكل تجمعات جديدة من خلال التحكم في حركة الأشخاص قبل وصولهم إلى المنطقة. وهذه التدابير تستدعي بدورها تقييما مستقلا من زاوية مدى قانونيتها وضرورتها وتناسبها، ولا سيما أنها مست بالفعل أشخاصا، لم يرتكبو فعلا مجرما، أو كانت لهم علاقة بعملية العبور غير النظامي الجماعي، إذ عاينت العصبة على مواقع التواصل الاجتماعي منشورات لأشخاص ادعوا تعرضهم لممارسات وقيود على حريتهم في التنقل.

وفي الجانب الإسباني، ظهرت خلال هذه المرحلة قضية أخرى ذات طبيعة حقوقية تتعلق بكيفية التعامل مع الأشخاص الذين دخلوا إلى سبتة. فقد وثقت هيومن رايتس ووتش ما وصفته بإعادات سريعة إلى المغرب، ودعت إسبانيا والمغرب إلى ضمان أن تكون الاستجابة والتحقيقات قائمة على مبادئ حقوق الإنسان. كما أكدت أن من بين الوافدين أشخاصا من جنسيات مختلفة، بمن فيهم أشخاص فروا من النزاع في السودان، وهو ما يجعل التمييز بين المهاجرين لأسباب اقتصادية وطالبي اللجوء والأشخاص المحتاجين إلى حماية دولية أمرا ضروريا في أي معالجة قانونية فردية.

وفي هذا السياق، لا يمكن اعتبار عبور الحدود بصورة غير نظامية سببا لإسقاط الحقوق الأساسية للأشخاص. فالمبدأ الحقوقي الحاكم هو أن وضعية الهجرة لا تجرد الشخص من حقه في الحياة والسلامة الجسدية والكرامة، ولا تحول دون تمتعه بالضمانات الأساسية المقررة بموجب القانون الدولي. ولذلك شددت منظمة العفو الدولية على أن مبدأ عدم الإعادة القسرية يظل قائما، وأن عمليات الطرد الجماعي محظورة، وأن لكل شخص الحق في الوصول إلى إجراءات اللجوء متى كانت لديه حاجة إلى الحماية الدولية.

كما شهدت سبتة المحتلة، ابتداء من فاتح غشت، تطورا آخر لا يقل أهمية من زاوية حقوق الإنسان، تمثل في ظهور مجموعات يمينية متطرفة داخل المدينة، مع تسجيل مضامين ووقائع تتعلق باستهداف المهاجرين والمسلمين وخطاب التحريض ضدهم. وهو ما رصده التقرير الأولي للعصبة ومندوبها بسبتة المحتلة والمعطيات التي أوردها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، و التي أكدت وصول مجموعة تطلق على نفسها اسم «النواة الوطنية» إلى سبتة المحتلة، وإلى تداول فيديوهات تتضمن استفزازات وتهديدات ومطاردات وأعمال عنف ضد بعض الوافدين وبعض سكان المدينة، ولا سيما المسلمين. 

وبذلك لم تعد أحداث 30 يوليوز عبارة عن واقعة مرتبطة بمحاولة جماعية لعبور الحدود، وإنما تحولت إلى أزمة إنسانية وحقوقية متعددة المستويات: 

 

وحتى بعد انحسار الموجة الرئيسية، لم ينته التوتر، فقد ظل محيط الفنيدق يشهد محاولات متفرقة للعودة نحو الحدود، بينما واصلت السلطات المغربية انتشارها الأمني وتدخلاتها الاستباقية لمنع تجمعات جديدة. 

وفي 15 غشت، شهدت المنطقة محاولة جديدة للوصول إلى سبتة، دفعت السلطات المغربية إلى تعزيز الانتشار الأمني وإيقاف مئات الأشخاص بحسب روايات إعلامية مختلفة، كما سجلت عمليات تفريق وتوقيف ونقل بالحافلات. وأثارت هذه التطورات أيضا مسألة حرية الصحافة، بعدما طلبت السلطات المغربية من فرق إعلامية إسبانية مغادرة الفنيدق أثناء تغطيتها للأحداث، ردا على التعامل العنيف الذي قوبل به الاعلام المغربي الرسمي خاصة موفد القناة الثانية، حيث تم احتجاز سيارته وآلياته والاعتداء على صحافيين من مواقع إخبارية مغربية، وفق ما رصده مندوب العصبة.

وفي المقابل، ظل الوضع في سبتة المحتلة نفسها تحت ضغط كبير بعد مرور أكثر من أسبوعين على الموجة الأولى، مع استمرار وجود أعداد كبيرة من القاصرين والمهاجرين، وارتفاع الضغط على مرافق الإيواء والحماية، وأفادت السلطات المحلية في منتصف غشت بأن عدد القاصرين المهاجرين الموجودين في المدينة ارتفع بصورة كبيرة عقب موجة العبور، وهو ما يعكس أن آثار الحدث لم تنته بمجرد عودة الجزء الأكبر من الوافدين إلى المغرب.

وخلال الفترة الممتدة من 20 إلى 28 غشت 2026، شهدت سبتة المحتلة تصاعدا لافتا في التوتر المرتبط بتدبير أزمة الهجرة، إذ خرجت احتجاجات متتالية للمطالبة بتسريع معالجة وضعية المهاجرين وترحيل من لا تتوفر فيهم شروط البقاء. وأكد وزير السياسة الترابية ومنسق التدبير الحكومي للأزمة، أنخيل فيكتور توريس، يوم 26 غشت، استبعاد المنشآت الرياضية من فضاءات إيواء المهاجرين، داعيا إلى «التعايش السلمي». وفي 27 غشت، انتقلت التوترات إلى مواجهات ميدانية، حيث أفادت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية RTVE  بأن محتجين دخلوا إلى شاطئ بنيتز ودمروا وأحرقوا خيام مؤقتة للمهاجرين، كما عمل محتجون على عرقلة وصول قافلة للصليب الأحمر كانت بصدد توزيع الغذاء والماء. وفي اليوم نفسه، أعلنت السلطات توقيف 12 مهاجرا على خلفية هجوم على مركبة عسكرية أسفر عن إصابة أربعة جنود بجروح، بحسب المعطيات التي أوردتها وسائل إعلام إسبانية.

 وفي نفس الفترة اتجهت السلطات الإسبانية إلى تشديد التدبير الأمني والإداري لأزمة سبتة، بالتوازي مع تعزيز آليات الاستقبال والمعالجة القانونية للمهاجرين. وفي هذا السياق، عقد مجلس الأمن القومي الإسباني اجتماعا لتقييم تطورات الوضع والوقوف على التدابير الكفيلة بضمان الأمن والنظام العام، بالتوازي مع تعزيز الحكومة لآليات التنسيق بين مختلف الأجهزة والمؤسسات المعنية. 

وكشفت الوقائع المومأ إليها أعلاه عن انتقال الأزمة من مجرد إشكال في تدبير الهجرة والاستقبال إلى أزمة حماية للحقوق الأساسية لجميع الأطراف. فمن جهة، لا يمكن أن تبرر المخاوف الأمنية والاجتماعية الاعتداء على المهاجرين أو تدمير أماكن إقامتهم أو عرقلة وصول الغذاء والمساعدة الإنسانية، وهي وقائع تثير مخاطر تتعلق بالسلامة الجسدية والحق في المعاملة الإنسانية وعدم التمييز؛ ومن جهة أخرى، فإن الاعتداء على أفراد القوات العمومية أو العسكريين يقتضي بدوره تحقيقا ومساءلة فردية وفقا للقانون. كما أن تدخل السلطات ينبغي أن يظل محكوما بمبادئ الضرورة والتناسب، مع ضمان حماية العمل الإنساني وحرية الصحافة. 

وتكتسب هذه الالتزامات أهمية خاصة في ضوء دعوة وزير السياسة الترابية الإسباني إلى «التعايش السلمي»، وفي ظل تأكيد الحكومة الإسبانية استمرار العمل على إيجاد فضاءات لاستقبال المهاجرين ومعالجة أوضاعهم.

وتبرز هذه الوقائع مجتمعة أن أحداث أواخر يوليوز لم تكن واقعة حدودية منعزلة، وإنما أزمة مركبة امتدت زمنيا وجغرافيا، ومرت بمراحل متتابعة: 

 

محصلة:  بالعودة إلى بدايات الوقائع، تكشف الأحداث عن مسؤولية مشتركة تتجاوز اللحظة الأمنية المباشرة، فالمخاطر التي تعرض لها الأشخاص أثناء السباحة أو محاولة تجاوز الحواجز لم تنشأ فقط من قرار فردي بالعبور، وإنما تفاقمت بفعل كثافة الحشود، وانتشار معلومات مضللة، وغياب مسارات آمنة وقانونية وفعالة أمام الأشخاص الراغبين في التنقل أو المحتاجين إلى الحماية، إلى جانب محدودية إمكانات الاستقبال والإيواء والحماية، ومن ثم، فإن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تختزل في تشديد الرقابة أو زيادة الانتشار الأمني، بل تقتضي معالجة الأسباب التي دفعت الأشخاص إلى المخاطرة بحياتهم، وتوفير قنوات قانونية وآمنة للهجرة والتنقل والحماية الدولية، وضمان وصول الفئات الأكثر هشاشة إلى الحماية والمساعدة.

وتبقى، في ضوء تعدد الروايات وتباين الأرقام، مجموعة من الوقائع بحاجة إلى تحقيق مستقل ودقيق، وفي مقدمتها الحصيلة النهائية للوفيات والمفقودين، وظروف كل حالة وفاة، والمسؤولية عن الإصابات، وطبيعة القوة المستخدمة من مختلف الأطراف، وظروف العودة والنقل، ومدى احترام الضمانات القانونية للأشخاص الموقوفين أو المعادين، ووضعية القاصرين، ومدى إتاحة إجراءات اللجوء والحماية الدولية، فضلا عن الوقائع المرتبطة بأعمال العنف والتحريض العنصري والتحرش الجنسي والاغتصاب داخل سبتة المحتلة.

إن خطورة ما وقع لا تكمن فقط في حجم الأعداد التي تحركت خلال يومي 30 و31 يوليوز، وإنما في أن هذا الحجم الاستثنائي من الأشخاص وجد نفسه في بيئة عالية الخطورة، حيث اجتمعت فيها الرغبة في العبور، والمعلومات المضللة، وكثافة الحشود، ومخاطر البحر والحواجز، والتدخلات الأمنية، وأعمال العنف والتخريب، وغياب الاستعداد الإنساني الكافي لاستيعاب الأزمة. وقد أدى تفاعل هذه العوامل إلى خسائر بشرية جسيمة وإلى أوضاع إنسانية وحقوقية لا يزال أثرها مستمرا.

وعليه، فإن القراءة الحقوقية للأحداث تقتضي الانتقال من سؤال «كيف تم منع العبور؟» إلى سؤال أوسع وأكثر جوهرية:

 

 

 

وفي انتظار استكمال التحقيقات وتوحيد المعطيات المتعلقة بالضحايا والمفقودين، تظل أحداث 30 و31 يوليوز 2026 واحدة من أخطر حلقات الهجرة غير النظامية التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، ليس فقط بسبب حجم الحركة الجماعية، وإنما بسبب الكلفة البشرية التي ترتبت عنها. ولذلك فإن أي معالجة حقوقية جادة لا ينبغي أن تنتهي عند وصف حجم العبور أو نجاح السلطات في استعادة السيطرة على الحدود، بل يجب أن تنتهي عند تحديد المسؤوليات، وضمان حق الضحايا وأسرهم في معرفة الحقيقة، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته عن الانتهاكات، ووضع آليات تمنع تكرار مثل هذه المأساة.

 

القسم الرابع: إعادة بناء الوقائع والنتائج الحقوقية

  • العبور الجماعي والفئات الهشة

 

تتجه المعطيات المتاحة، المغربية، والإسبانية، والإعلامية، إلى أن أحداث العبور اتسمت بتوافد جماعي وواسع لأشخاص سعوا إلى الوصول إلى مدينة سبتة، في سياق اتسم بسرعة التجمع، وكثافة الأعداد، وشدة التدافع، وتعدد مسارات ومحاولات العبور. وتشير المعطيات الواردة في تقارير العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، إلى جانب ما أوردته تقارير جمعيات حقوقية أخرى ومعطيات منسوبة إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان، إلى أن المشاركين في هذه الأحداث لم يكونوا جميعا من الشباب البالغين، بل ضمت المجموعة أيضا أطفالا وقاصرين ونساء وأسر وأشخاصا يوجدون في أوضاع تتسم بدرجات متفاوتة من الهشاشة وأسر كاملة وأشخاص في وضعية إعاقة …

وتكتسي تركيبة المشاركين أهمية جوهرية في التقييم الحقوقي للأحداث، إذ لا يمكن اختزال التعامل معها في مقتضيات تدبير الهجرة غير النظامية أو مراقبة الحدود. فوجود فئات ذات احتياجات حماية خاصة يفرض على السلطات، إلى جانب واجب حفظ النظام وضبط الحدود، ضرورة اتخاذ تدابير تتناسب مع طبيعة الأشخاص الموجودين في الميدان ومع المخاطر التي قد يتعرضون لها. وتزداد أهمية هذا الالتزام في الحالات التي يكون فيها الأشخاص، بسبب صغر السن أو الوضع الصحي أو الإنهاك البدني أو الجوع أو العطش أو الإصابة… أقل قدرة على تقدير المخاطر المحيطة بهم أو اتخاذ التدابير اللازمة لحماية أنفسهم.

وقد أظهرت التغطيات الإعلامية المرتبطة بأحداث 30 – 31 يوليوز 2026، بدورها، ورود معطيات بشأن وجود أعداد من الأطفال والقاصرين ضمن المتوافدين، إلى جانب نساء وأطفال وأشخاص مسنين. 

وبصرف النظر عن اختلاف التقديرات المتعلقة بأعداد هذه الفئات، فإن مجرد وجودها في سياق اتسم بالكثافة والتدافع ومحاولات العبور يكتسي أهمية خاصة من منظور حماية الحقوق، ويجعل من تركيبة المشاركين عنصرا أساسيا في تقييم مدى ملاءمة التدخلات التي اتخذتها السلطات قبل الأحداث وأثناءها وبعدها، وليس مجرد معطى إحصائي.

ويؤكد الإطار الحقوقي أن الوضعية الإدارية أو القانونية المرتبطة بالهجرة لا تنتقص من الحقوق الأساسية للأشخاص، ولا تعفي السلطات من التزاماتها في حماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية والكرامة الإنسانية. كما أن وجود أطفال وقاصرين يقتضي عناية وحماية إضافيتين، بالنظر إلى وضعهم الخاص، وإلى ضرورة إيلاء المصلحة الفضلى للطفل الاعتبار الأساسي في جميع التدابير والإجراءات التي تمسهم.

ويكتسي هذا التقييم أهمية أكبر بالنسبة للأشخاص الذين قد تكون لديهم مؤشرات على الحاجة إلى الحماية الدولية، إذ كان ينبغي التحقق من مدى إتاحة المعلومات والإجراءات التي تمكنهم من التعبير عن احتياجاتهم، والوصول إلى آليات الحماية أو طلب اللجوء، وعدم اتخاذ تدابير قد تحول، بصورة فعلية، دون ممارسة هذه الحقوق.

وعليه، فإن معيار تقييم التدخلات التي رافقت أحداث العبور لا ينبغي أن يقتصر على مدى نجاحها في منع العبور أو ضبط حركة الأشخاص، وإنما يجب أن يشمل أيضا مدى احترامها لمقتضيات حماية الحياة والسلامة الجسدية والكرامة الإنسانية، ومدى تناسبها مع اختلاف أوضاع الأشخاص ودرجات هشاشتهم. وفي هذا الإطار، تعتبر حماية الأطفال والقاصرين، وتوفير الإنقاذ والإسعاف، والاستجابة للاحتياجات الأساسية من الماء والغذاء والرعاية الصحية، واعتماد تقييم فردي للأوضاع، وضمان الوصول إلى إجراءات الحماية واللجوء عند الاقتضاء، والتحقق من مشروعية الإجراءات المتخذة بعد التوقيف أو المنع أو الإعادة، عناصر أساسية ومستقلة في التقييم الحقوقي للأحداث.

 ويستدعي ذلك، في ضوء المعطيات المتاحة، عدم الاكتفاء بالإشارة العامة إلى وجود فئات في وضعية هشاشة، بل فتح تحقيق دقيق في التدابير التي اتخذت لحمايتها، وتحديد مدى ملاءمة هذه التدابير للمخاطر القائمة، وما إذا كانت السلطات قد وفرت، في كل مرحلة من مراحل الأحداث، الاستجابة الوقائية والإنسانية والقانونية التي تفرضها طبيعة الأشخاص والظروف المحيطة بهم. ويشكل هذا الفحص أحد الشروط الضرورية لتقييم مدى توافق التدخلات مع الالتزامات الحقوقية ذات الصلة، ولا سيما عندما تكون حياة الأشخاص وسلامتهم الجسدية قد أصبحتا معرضتين لخطر فعلي ومباشر.

  • الوفيات والإصابات 

المعطى الوارد المصدر أو الجهة                                     التقييم المنهجي
11 وفاة، معظمها غرقاً وزارة الداخلية المغربية، حصيلة رسمية أولية منسوبة إلى مصدرها
14 وفاة إلى حدود 6 غشت معطيات المجلس الوطني الواردة في تقريره معطى حقوقي مؤسساتي تختلف معطياته عن معطيات وزارة الداخلية
82 وفاة على الأقل في الجانب الإسباني المعهد الإسباني للطب الشرعي،  حصيلة إسبانية نقلتها الإذاعة والتلفزة الإسبانية
88 جثماناً في المشرحة تصريح محلي في سبتة بحسب  رقم يتعارض مع معطيات محلية بسبتة رغم أنه صادر عن الحكومة المحلية.
10 حالات غرق ووفاة عرضية واحدة معطيات وزارة الداخلية بشأن السبب تصنيف أولي للوفيات المؤكدة آنذاك
145 وفاة/ 78 في سبتة/ 67 في المغرب منظمة «السير على الحدود» الإسبانية، المعروفة بالإسبانية باسم «كاميناندو فرونتيراس» قالت إلمنظمة نها اعتمدت على معاينة الجثامين والتواصل مع أسر الضحايا ومجتمعاتهم.
100 حالة وفاة بسبتة تتضمن حالات غرق وحالات يزعم أنها توفيت إما بالتدافع والرفس أو التعرض للاعتداء مندوب العصبة بسبتة المحتلة الرقم انطلاقا من معطيات استقاها من إدارة المستشفى العسكري ومن مستشفى كرس الروخا
136 إصابة طفيفة و13 إحالة على المستعجلات، و87 من القوات العمومية؛ ومعطيات أخرى عن أكثر من 400 حالة علاج الإصابات حسب مصادر مختلفة  أرقام متعارضة تحتاج إلى سجل طبي موحد

 

حسب ما صرح به لبعثة العصبة:

  • مستشفى الحسن الثاني بالفنيدق: 14 حالة وفاة 

  • مستشفى سانية الرمل بتطوان 19 حالة وفاة

34 وفاة الوفيات حسب التقرير الأولي للعصبة بجهة الشمال 
أكثر من 90 حالة إصابة في صفوف القوات العمومية حوالي 500 إصابة تلقت علاجات ضرورية وغادرت المستعجلات بالإضافة الى عشرات الإصابات تفادى أصحابها التوجه الى المستشفيات، مخافة تعرضهم لإجراء المساءلة، وفق تصريحات بعضهم. الاصابات حسب التقرير الأولي للعصبة بجهة الشمال
تم التدقيق من قبل الكاتب الإقليمي للعصبة لدى سلطات الناظور وسلطات مليلة المحتلة، بعد زيارة ميدانية لاستكمال التحقق. لم يتم العلم بأية حالة وفاة  الوفيات بمعبر مليلة المحتلة حسب التقرير الأولي للعصبة بالناظور 

 

ملحوظة: لا يجوز جمع هذه الأرقام حسابياً، لأنها قد تتعلق بفترات أو مواقع أو تعريفات مختلفة، في المقابل من الواجب إعداد سجل موحد يتضمن اسم الضحية أو رمزها، والجنسية والسن والجنس، ومكان العثور، ووقت الوفاة، ونتيجة التشريح، وصورة أو بصمة الجثمان، وإشعار الأسرة، ومكان الدفن أو التسليم. كما وجب التنبيه أن التقديرات الواردة في الجداول أعلاه مرشحة للتعديل كلما ظهرت حقائق ومعطيات جديدة من قبل السلطات في المغرب وإسبانيا.

استدراك: 

تم الاعتماد على هذه المعطيات في حدود ال25 من غشت 2026.

 

3. التدخلات الأمنية واستعمال القوة

تؤكد القوانين والمواثيق الدولية، أن حماية الحدود وضمان الأمن العام ومنع عمليات العبور غير النظامي تدخل ضمن الاختصاصات المشروعة للسلطات، غير أن مشروعية الهدف لا تعني مشروعية جميع الوسائل المستخدمة لتحقيقه، فاستعمال القوة يظل خاضعا لمبادئ الشرعية والضرورة والتناسب، وأن تكون الوسيلة المستخدمة هي الأقل إضرارا الممكنة في ضوء الظروف، مع مراعاة حالة الأشخاص الموجودين في منطقة التدخل، ولا سيما الأطفال والقاصرون والأشخاص المصابون أو المنهكون. 

وفي هذا السياق، أثار المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في خلاصاته الأولية بشأن أحداث العبور إلى سبتة ومليلية المحتلتين، الإجراءات التي اتخذتها السلطات المغربية لتقييد تنقل الأشخاص المتوجهين نحو مناطق الشمال، ودعا إلى احترام قواعد استعمال القوة، ولا سيما مبدئي الضرورة والتناسب. وهي الملاحظة نفسها التي سجلتها فروع العصبة في الدار البيضاء والعرائش والقصر الكبير ووزان وطنجة وتطوان والمضيق والفنيدق وأزغنغان والناظور، خاصة خلال أيام 13 و14 و15 غشت. كما أشار تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى وقوع مواجهات وأعمال عنف ورشق بالحجارة وإلحاق أضرار بالممتلكات وإصابات في صفوف الشباب والقاصرين وأفراد القوات العمومية، وهو ما يقتضي، في التقييم الحقوقي، عدم النظر إلى استعمال القوة بمعزل عن السلوك الذي سبق التدخل الأمني، وفي الوقت نفسه عدم اعتبار أعمال العنف الصادرة عن بعض المشاركين مبررا تلقائيا لأي مستوى من مستويات القوة.

وتعززت أهمية هذا الجانب بعد أن دعت هيومن رايتس ووتش، في 3 غشت 2026، السلطات المغربية والإسبانية إلى إجراء تحقيقات مستقلة ومحايدة في الظروف المحيطة بعمليات العبور وفي الادعاءات المتعلقة باستخدام القوة المفرطة، مؤكدة ضرورة ضمان المعاملة الإنسانية وتوفير المساعدة للأشخاص الذين وصلوا إلى سبتة ولمن أعيدوا إلى المغرب ولغيرهم ممن حاولوا العبور. 

كما أعلنت منظمة العفو الدولية أنها ستواصل متابعة الوضع لرصد أي مؤشرات على انتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بالسيطرة على الحدود، بما في ذلك الاستخدام المفرط للقوة واحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية.

وأفادت التقارير الأولية للعصبة بثبوت حالات عنف في تدخلات القوات العمومية بالفنيدق وبني أنصار، عقب محاولات تفريق المتجمهرين وتعرض القوات للرشق بالحجارة وإحراق سيارات بعض المسؤولين. غير أن استعمال القوة تحول في حالات عدة إلى عنف غير مبرر وغير متناسب، قد يرقى في بعض صوره إلى فعل جنائي. 

ويوثق مقطع فيديو واسع الانتشار عنصرا من القوات المساعدة يرفع صخرة كبيرة محاولا إصابة أحد الشباب، ثم ينهال عليه بالعصا بمشاركة عنصر آخر، قبل أن يتدخل عنصر ثالث لإيقاف الاعتداء.

وأعاد هذا المشهد إلى الأذهان الصور المنشورة صيف 2024، التي وثقت تعذيب شباب مرشحين للهجرة غير النظامية قرب باب سبتة المحتلة. وقد أكدت مصادر بوزارة الداخلية آنذاك صحة الصور ومقاطع الفيديو، وأعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بتطوان فتح تحقيق، من دون أن تتوافر إلى تاريخ إعداد التقرير معلومات معلنة عن نتائجه أو الجزاءات المترتبة عنه.

وبناء على تقرير اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة التي استمعت للشاب ضحية الاعتداء، أحال المجلس الوطني لحقوق الانسان بشكل رسمي تقرير الاستماع 

على النيابة العامة في 24 غشت الماضي، داعيا الى الاستماع الى إفاداته بشأن الواقعة، ولا نعلم لحد الآن ما إذا كانت النيابة العامة قد فعلت بالفعل مسطرة التحقيق في النازلة أم لا.

 

تكتسب عملية 15 غشت 2026 أهمية خاصة باعتبارها أول اختبار لاحق واسع النطاق لطريقة تدبير السلطات المغربية لمحاولة عبور جماعي جديدة بعد أحداث نهاية يوليوز. فقد شهد محيط الفنيدق انتشارا أمنيا وعسكريا مكثفا، وتمكنت القوات المغربية من منع وصول مجموعات جديدة إلى الحدود، مع توقيف نحو 294 شخص، وفقا للمعطيات المنشورة. غير أن تقارير إعلامية تحدثت عن استخدام الغاز المسيل للدموع، وتطويق مجموعات من المهاجرين، واستعمال القوة لتفريقهم، ثم نقل عدد منهم قسرا بواسطة الحافلات إلى مناطق أخرى، كما وردت تقارير عن توقيف أشخاص للاشتباه في تحريضهم على العبور، وعن إخراج صحفيين من المنطقة أثناء تغطية العملية. ولا تكفي هذه المعطيات، في حد ذاتها، للجزم بأن القوة المستعملة كانت مفرطة أو غير مشروعة، لكنها تشكل عناصر تستوجب التوثيق والتحقق، ولا سيما تحديد نوع القوة المستخدمة، والظروف التي استعملت فيها، ومدى وجود خطر وشيك يبررها، وما إذا كانت وسائل أقل إضرارا متاحة، وما إذا تمت مراعاة وجود قاصرين أو أشخاص في حالات هشاشة، فضلا عن توثيق الإصابات الناتجة عن التدخل. ومن ثم، ينبغي أن تتعامل الجهات، المختصة في تقييم ما جرى، مع تدخل 15 غشت باعتباره واقعة مستقلة تضاف إلى التسلسل الزمني، وأن تخضعه للمعايير نفسها المطبقة على أحداث 30 و31 يوليوز، بما يسمح بتقييم ما إذا كانت الممارسات الأمنية اللاحقة قد شكلت استمرارا للنهج نفسه أو تضمنت ضمانات إضافية للحد من مخاطر القوة غير المتناسبة.

 

4.عنف المشاركين في محاولات العبور

 

لا يستقيم القول إن القوات العمومية كانت الفاعل الوحيد في حالات العنف التي رافقت الحدث، ذلك أن المعاينة الميدانية لفرق العصبة نقلت وقوع عنف غير مسبوق من طرف عدد من المرشحين للهجرة غير النظامية (مغاربة وأجانب) الذين قاموا بتخريب ممتلكات خاصة وإحراق سيارات المواطنين وسيارات تابعة للسلطات وأصابوا عناصر من القوات العمومية إصابات استدعت نقل معظمهم إلى المستعجلات لتلقي العلاجات الضرورية، هذا بالإضافة إلى أن بعضهم قام برفع شعارات ذات حمولة متطرفة أو خادشة للحياء العام.

وذكرت إفادات المكتب الجهوي بطنجة تطوان الحسيمة نقلا عن المكتب الإقليمي بالمضيق الفنيدق، أن عدد الجرحى من القوات العمومية تجاوز خلال المدة الماضية 80 جريحا، مشددا على أن حالتهم لا تستدعي القلق، كما تم إحراق 9 سيارات لمواطنين وسيارة للأمن الوطني، وسيارتين للأجرة الصنف(1) و17 دراجة نارية، وذلك بالمعبر الحدودي لسبتة المحتلة.

أما في معبر مليلة المحتلة، فقد أكد المكتب الإقليمي في تقرير ملحق بالتقرير الأولي حول الأحداث، أن المعبر الحدودي الرابط بين مدينة مليلية المحتلة وبني أنصار قد شهد يومي 30 و 31 يوليوز 2026 أحداثاً اقتحامية شارك فيها حوالي 1500 شخص، قاموا برشق القوات العمومية بالزجاجات الحارقة والحجارة ما أدى إلى إغلاق المعبر و بقاء ما يقارب 700 سيارة عالقة. كما أسفرت هذه الأحداث عن أضرار مادية جسيمة طالت ممتلكات عامة وخاصة:

* إحراق سيارة الباشا.

* إحراق سيارة قائد المقاطعة الثانية.

* إحراق سيارة الجماعة.

* إحراق سيارة التابعة للجمارك. 

* إحراق 4 حاويات بالميناء التجاري.

* تخريب وكالة بنكية .

* تخريب وإحراق مجموعة من السيارات الخاصة.

  • تدخلات السلطات الإسبانية

  • انتهاكات بسبتة كادت لتتحول إلى سلوك ممنهج

أورد المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في معطياته الأولية، شهادات لمهاجرين أعيدوا إلى المغرب تتحدثوا عن سوء معاملة واعتداءات من جانب الشرطة الإسبانية، كما أشار إلى تعرض قاصرين لأشكال من العنف والإهانة والاستهداف العنصري داخل سبتة، وذكر مندوب العصبة في سبتة المحتلة في تقرير أوفده إلى المكتب المركزي، أن السلطات الإسبانية بكل تلاوينها ومعها تيارات حزبية وكذا الحكومة المحلية بسبتة المحتلة، قد ساهموا بطريقة مباشرة وغير مباشرة في حدوث انتهاكات جسيمة في مجال حقوق الإنسان توزعت بين الاعتداءات والتجويع والتحريض على العنف والتحريض على الكراهية والعنصرية، وعدم حماية المهاجرين غير النظاميين، مما سمح بحدوث اعتداءات جسدية ضدهم وتعرض فتيات للاغتصاب، إذ قدر مندوب العصبة عدد النساء اللائي تعرضن  للاعتداء الجنسي بحوالي 30 امرأة وفتاة، من بينهن قاصرات، فيما تشير آخر الأرقام  الرسمية المصرح بها لدى النيابة العامة الاسبانية الى حدود 31 غشت 2026 ، إلى 5 حالات اغتصاب من أصل 23 اعتداء جنسيا، يتراوح سن تسعة من هن بين 14 و17 سنة، وهو رقم يزيد عن عدد الضحايا المصرح بهن من قبل وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي-مارلاسكا أمام لجنة الداخلية بالكونغرس الإسباني.

 

أ. سوء المعاملة والعنف العنصري والتقصير في حماية المهاجرين والقاصرين بسبتة

 

لم تكن الأحداث التي عرفتها سبتة المحتلة ابتداء من 30 يوليوز 2026 مجرد أزمة عبور غير نظامي للحدود، على الرغم من الطابع الاستثنائي لأعداد الوافدين، بل تحولت في ظرف وجيز إلى أزمة متعددة الأبعاد مست بصورة مباشرة الحق في السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية والحماية من التمييز والعنف، ولا سيما بالنسبة إلى الأطفال والقاصرين والنساء والأشخاص الموجودين في أوضاع هشاشة.

 

وبحسب الأرقام التي أعلنت عنها وزارة الداخلية الإسبانية، بلغ عدد الذين دخلوا سبتة يومي 30 و31 يوليوز نحو “72 ألف شخص”، بعدما كان وزير السياسة الترابية قد تحدث عن رقم يصل إلى 80 ألف، واصفا ما وقع بأنه تدفق غير مسبوق.

 فيما أكدت النيابة العامة الإسبانية بدورها أن أكثر من 72 ألف شخص دخلوا بصورة غير نظامية خلال تلك الفترة.

ولا تكمن أهمية هذا الرقم في حجمه وحده، وإنما في ما ترتب عنه من وضع عشرات الآلاف من الأشخاص، ولو مؤقتا، تحت الولاية الفعلية للدولة الإسبانية، وما ينشأ عن ذلك من التزام قانوني بحماية سلامتهم الجسدية وضمان عدم تعرضهم للمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، بغض النظر عن الطريقة التي دخلوا بها التراب الإسباني أو عن وضعيتهم الإدارية.

وحسب مندوب العصبة فقد بلغ عدد المهاجرين غير النظاميين المتواجدين حاليا بسبة المحتلة، حوالي 12000 شخص، وقد أثار فريق الصياغة أمام الأخ المندوب معطر رسمي من الحكومة الاسبانية يتعلق بكون العدد لا يتجاوز تسعة آلاف، لكنه اقترح الآخذ بعين الاعتبار مجموع الوجبات التي توزع بشكل يومي و التي يتم توزيعها من قبل الجمعيات المسلمة بشكل يوم وخلال فترات متكررة، حيث مكنه نشاطه من خلال هذه الجمعيات من الوصول الى التقدير الإجمالي للوجبات يوميا، وقد عزا هذا التباين بين الرقم الذي صرح به وبين ما صرحت به الحكومة المحلية لسبتة المحتلة، الى كون أن هذه الأخيرة لم تحتسب المهاجرين المختبئين في الغابات و الضواحي و الذين يقومون يومين بالخروج للحصول على حصتهم من الوجبات.

 

ب. شهادات حول سوء المعاملة من طرف أجهزة الأمن الإسبانية

 

برزت، في الأيام التي تلت الأحداث، عدد من الشهادات والادعاءات التي تتحدث عن تعرض مهاجرين لسوء المعاملة والضرب والإهانة من طرف عناصر من القوات الإسبانية.

وقد أفردت صحيفة (El País)، بتاريخ 11 غشت 2026، تقريرا مستقلا للاتهامات الواردة في التقرير الأولي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمغرب، والذي استند إلى شهادات مهاجرين عادوا من سبتة المحتلة. وأشارت الصحيفة إلى أن الشهادات تضمنت “ادعاءات متعددة ومتطابقة” بشأن سوء المعاملة والاعتداء من طرف أفراد من قوات الأمن الإسبانية، ولا سيما في أماكن قيل إنها كانت خارج نطاق كاميرات المراقبة.

ولا يمكن، من الناحية المنهجية، تقديم هذه الشهادات باعتبارها أحكاما قضائية نهائية تثبت مسؤولية عناصر بعينهم. لكنها في المقابل ليست ادعاءات يجوز تجاوزها بمجرد الإنكار، خصوصا عندما تتكرر شهادات متقاربة بشأن طبيعة المعاملة ومواقع وقوعها والفئات المستهدفة.

وقد أثارت هذه الاتهامات ردا من (النقابة الموحدة للشرطة الإسبانية SUP) التي نفت وجود ممارسة عامة لسوء المعاملة، وطالبت بأن تكون أي اتهامات ضد عناصر الشرطة فردية ومسنودة بأدلة موضوعية، مؤكدة في الوقت نفسه أنه إذا وجدت شكوى محددة ضد أي شرطي فيجب التحقيق فيها “بكل الضمانات وحتى آخر النتائج”. وهذا الرد، وإن كان ضروريا لإظهار وجهة نظر الجهاز الأمني، لا يلغي في ذاته ضرورة التحقيق المستقل، فالقاعدة في مجال حماية حقوق الإنسان لا تقوم على المفاضلة بين رواية الضحية ورواية الجهاز المشتكى به، وإنما على إخضاع الادعاءات الجدية لتحقيق فعال ومستقل ومحايد قادر على تحديد مكان الواقعة وزمانها وهوية المسؤولين المحتملين والأوامر التي كانوا يعملون بموجبها.

وتتضاعف أهمية هذا الأمر بسبب طبيعة العمليات الأمنية التي عرفتها سبتة وحجمها. فقد أظهرت التغطيات الإسبانية مشاركة الشرطة الوطنية والحرس المدني والقوات المسلحة في إدارة الوضع ومراقبة المدينة ومساندة الأجهزة الأمنية؛ وأظهرت صور نشرتها (El País) في 11 غشت وجود أفراد من الجيش وهم يقدمون الدعم للشرطة، كما أظهرت مقاطع فيديو تعددت مصادر نشرها بين المغاربة المقيمين في سبتة المحتلة وبين المواطنين الاسبان وبين وسائل اعلام اسبانية، إذ وثقت لتدخلات عنيفة ومهينة وتحمل طابعا عنصريا، كما وثقت فيديوهات أيضا تصريحات لشباب ينحدر من الأحياء الشعبية بذات المدينة يصرح علنا أن عناصر من الحرس المدني طلبوا منهم طرد المهاجرين غير النظاميين بالاعتداء عليهم وتجويعهم وعدم التعامل معهم بأي صيغة من الصيغ التي قد تساعد على إطالة أمد بقائهم.

ومن ثم فإن أي تحقيق في ادعاءات سوء المعاملة ينبغي ألا يقتصر على جهاز واحد، بل أن يشمل جميع الوحدات الأمنية والعسكرية التي كانت لها سلطة فعلية على المهاجرين، وأن يحدد قواعد استعمال القوة والتعليمات العملياتية والمسؤوليات التسلسلية داخل مختلف الأجهزة.

وحيث إن الادعاء بوجود اعتداءات لا يستقيم إلا بشهادات استقاها فريق العصبة الميداني بمدينة الفنيدق خلال عمليات العودة أو قام بنقلها مندوب العصبة بسبتة المحتلة عبر رسائل متفرقة، أو عملت لجنة تحرير هذا التقرير.

واستجوب موفد العصبة بإشراف من الكاتب الجهوي بجهة طنجة تطوان الحسيمة عددا من العائدين بأسئلة معدودة ودقيقة، إذ كانت الظروف الأمنية وحالة الاستنفار التي تعرفها المنطقة لا تسمح بمساحة زمنية للاطلاع على تفاصيل الوقائع، حيث كان مجموع المستجوبين 23 أربع منهم فتيات، أجمعوا جميعهم على أن السلطات الأمنية بمختلف تلاوينها مارست العنف الجسدي أو اللفظي وفي أحايين متعددة العنصري ضد المشاركين في العبور الجماعي. لكن أهم التصريحات كانت لأربعيني عززها بإطلاع المستجوبين على مقطع فيديو لعنصر من الحرس المدني الاسباني يستعمل بندقيته ويطلق الرصاص في اتجاه مهاجر غير نظامي قرب الشاطئ دون أن يشكل هذا الأخير أي خطر على الأمني، وقد تمكنت العصبة فيما بعدم من الاطلاع على الفيديو بمواقع التواصل الاجتماعي.

من جهته أكد مندوب العصبة بسبتة المحتلة معاينته لمشاهد عنف متكررة من قبل القوات الاسبانية، ومشاهد متكررة لمواطنين إسبان بحي بريسينبي وبمنطقة سيدي امبارك اعتدوا بشكل عنيف على مهاجرين وأصابوا بعضهم بجروح. وأكد أيضا بشكل ملح أن الحكومة المحلية لسبتة المحتلة قامت بتهييج وتحريض بعض المغرر بهم في جل أحياء المدينة، وطلبت منهم الخروج بالسواطير و الهروات لحماية أحيائهم ومواجهة المهاجرين، وشجعت كذلك التوجهات اليمينية المتطرفة للدخول الى سبتة المحتلة، ولولا أن عموم المسلمين بسبتة، حسب قوله قد تدخلوا لمواجهة هذا المخطط لوقعت الكوارث.

 وقد تمكن مندوب العصبة من التدخل بصفته الحقوقية والجمعوية في مواجهة السلطات لصد بعض الاعتداءات، إذ كاد أن يتعرض بدوره للاعتداء من طرف جندي إسباني يتكلم الدارجة المغربية، إذ لولا أنه “حسب توضيحه يحمل الجنسية الاسبانية” لتسببت له تدخلاته في اعتداءات جسدية.

ولم تكن بالنسبة للتقرير التركيبي إفادات المجلس الوطني لحقوق الانسان وروايات المكتب الجهوي ومندوب العصبة كافية للوصول إلى يقين كافي بصدور عنف متعدد المظاهر  من قبل الطرف الإسباني، إذ كان لزاما علينا أن نتقصى في ضمن صفحات وسائل الاعلام الاسبانية عن شهادات مهاجرين غير نظاميين تعرضوا لأشكال متعددة من العنف، إذ ننقل أدناه بعض منها فيما سنكتفي بنقل كل ما تم تجميعه في جدول مفصل:

 

أولا: الشهادة الأقوى بشأن الاعتداءات من السكان المحليين

حالة عادل وآثار الاعتداء البادية على جسده

بحسب El País، التقت مسؤولة سياسية في سبتة بمهاجر مغربي يدعى عادل، يبلغ نحو 25 عاما، كان يبحث عن الطريق إلى بنزو. وعندما اقترحت عليه المرور عبر Postigo رفض بشدة، ثم كشف عن جسده وأراها خدوشا في ساقيه وجذعه وجروحا، بينها جرح عميق في ذراعه اليسرى، وقال إن هذه الإصابات نتجت عن الضرب الذي تعرض له في المنطقة. وقامت المرأة بتصوير الإصابات بهاتفها. كما رفض عادل التوجه إلى الشرطة خوفا من توقيفه وطرده من سبتة.

وتكتسب الواقعة أهمية إضافية لأن الشاهدة نفسها قالت إنها، بعد ذلك، عاينت عند مدخل Postigo سيارات تسد الطريق ومجموعة من السكان تقوم بدورية، من بينهم شخص يحمل مضرب بيسبول. وشاهدت الرجل نفسه لاحقا وهو يقترب من مجموعة مهاجرين ويطالبهم بالمغادرة، وإن كانت لم تشاهده يضربهم في تلك اللحظة.

 

ثانيا: شهادة محمد ومحاولة الخنق، من طرف مهاجر آخر

هذه من أهم الحالات التي تضمنها تقرير مندوب العصبة والتي ينبغي عدم إغفالها.

محمد، وهو مهاجر يبلغ 23 عاما، قال إنه تعرض لمضايقات واعتداءات متكررة من مهاجر آخر بعد أن بدأ يتواصل مع سكان من سبتة. وفي إحدى المرات اقترب منه المعتدي بحجة طلب سيجارة، ثم دفعه واعتدى عليه، قبل أن يحاول خنقه بواسطة قميص ويهدده بالقتل. وقال محمد إن آثار محاولة الخنق ظلت ظاهرة على رقبته. والأهم أنه تقدم بشكوى لدى الشرطة.

كما يوجد شاهد مستقل هو منير، مواطن من سبتة، قال إنه شاهد الواقعة ونقل محمد إلى المستشفى ثم إلى الشرطة.

 

ثالثا: القاصر البالغ 17 سنة الذي تعرض للضرب

هذه من أهم الحالات التي تضمنها تقرير مندوب العصبة والتي ينبغي عدم إغفالها.

كان القاصر ينتظر في مركز الشرطة وهو مصاب، وتظهر عليه آثار الاعتداء وكانت ساقه مضمدة. وقال، عبر مترجم، إنه لم يكن يعرف المعتدي، وإن الأخير كان يطالبه بالعودة إلى بلده. أما المواطن منير فقال إنه شاهد رب عمله وهو يخرج فجأة ويبدأ في ضرب القاصر باللكم والركل، ثم دفعه على الدرج. وبعد ذلك نقله إلى المستشفى ثم إلى الشرطة.

هذه الواقعة مهمة لأنها تتضمن عنصرا عنصريا/كاره للأجانب في العبارات المنسوبة إلى المعتدي، فضلا عن العنف الجسدي وكون الضحية قاصرا.

 

رابعا: الاعتداءات الجنسية – شهادات النساء

هنا يجب أن نكون أكثر حذرا؛ فالمصادر تقدم شهادات مباشرة عن الخوف والتحرش والاعتداء، لكنها لا تسمح بإسناد كل واقعة إلى شخص محدد.

أبرز شهادة هي وفاء ع (ذكر الموقع الاسم كاملا )، 28 سنة، من تازة. قالت لرويترز إن النساء في المخيم يعشن وضعا خطيرا، وإن رجالا يحاولون الاعتداء عليهن ليلا، بما في ذلك أثناء توجههن إلى المرحاض، وإنهم يتبعونهن. ولهذا اختارت النساء نصب مخيمهن بالقرب من سيارة للشرطة أملا في توفير قدر من الحماية.

وقالت وفاء إنها لا تستطيع النوم ليلا بسبب الخوف، وإنها تنام فقط خلال النهار، كما لم تكن هناك مرافق استحمام منفصلة للنساء.

أما ذكرى من تطوان، البالغة 20 سنة، فقالت لرويترز إن النساء في المخيم تعرضن للتحرش والاعتداءات الجنسية بصورة متكررة، وإنهن يحاولن حماية أنفسهن عبر الصراخ حتى يجتمع الناس حولهن. وأضافت أن الشرطة أخبرتهن بأن قدرتها على فعل شيء محدودة.

وهاتان الشهادتان مهمتان جدا لأنهما لا تتحدثان فقط عن وقوع اعتداءات، بل تكشفان أيضا عن الظروف البنيوية التي جعلت النساء أكثر عرضة للعنف: النوم في العراء، غياب الخصوصية، عدم فصل المرافق الصحية، وضعف الحماية ليلا.

 

خامسا: ماذا تقول المعطيات الطبية والقضائية؟

هنا ننتقل من الشهادات الصحفية إلى الوقائع التي دخلت بالفعل في مسارات طبية وقضائية.

ففي 9 غشت، أفادت Cadena SER بأن ست قاصرات مهاجرات غير مصحوبات تلقين الرعاية بسبب اعتداءات جنسية. وقال المصدر إن اثنتين تحدثتا عن محاولة اغتصاب، بينما ظهرت على اثنتين أخريين علامات تتفق مع وقوع اغتصاب. وبموجب البروتوكول، أُحيلت إفادات القاصرات إلى المسار القضائي والشرطي.

وبحلول 18 غشت، كانت السلطات القضائية قد أكدت معالجة ثلاث قضايا اعتداء جنسي ضد مهاجرات؛ حالتان منهما تخصان قاصرتين، إحداهما تتعلق باعتداء جنسي بالإيلاج وإجبار الضحية على بيع المخدرات، والأخرى بلمس غير لائق، فيما تتعلق الثالثة بامرأة بالغة ادعت تعرضها لاعتداء غير لائق. فيما أكدت وزيرة الصحة الإسبانية أن الخدمات الطبية عالجت خمس نساء بسبب العنف الجنسي.

 

سادسا: شهادات سوء المعاملة المنسوبة إلى قوات الأمن الإسبانية

نقل المجلس الوطني لحقوق الانسان عن مجموعة من المهاجرين غير النظاميين العائدين قولهم صراحة، إنهم تعرضوا لشتى أنواع الاعتداء.

و جمع التقرير المنشور في 08 غشت الماضي”شهادات متعددة ومتطابقة” من مهاجرين أعيدوا إلى المغرب، تتضمن ادعاءات بسوء المعاملة والاعتداء الجسدي من طرف أفراد من قوات الأمن الإسبانية، خصوصا في أماكن قال أصحاب الشهادات إنها كانت بعيدة عن الكاميرات.

كما أشار المجلس إلى شهادات بشأن تعرض قاصرين لمطاردة وضرب وشتائم من مجموعات متطرفة، وعدم توفير حماية كافية لهم من اعتداءات ذات طابع عنصري وكاره للأجانب.

 

مصفوفة للشهادات الموثقة

 

# صاحب الشهادة مصدر الشهادة نوع الاعتداء/الواقعة المكان/الفترة
1 عادل، نحو 25 سنة، مغربي El País ضرب واعتداء جسدي؛ خدوش في الساقين والجذع وجروح، بينها جرح عميق في الذراع حي Postigo، بداية غشت
2 محمد، 23 سنة، مهاجر مغربي El Mundo كما أعادت نشره مصادر محلية اعتداء متكرر ثم محاولة خنق وتهديد بالقتل منطقة Hadú، أواخر غشت
3 قاصر مهاجر، 17 سنة El Mundo/El Periódico de Ceuta ضرب وركل، ثم دفع على درج؛ إصابات ظاهرة ونقل إلى المستشفى سبتة، أواخر غشت
4 وفاء عتيد، 28 سنة، من تازة Reuters تحرش ومحاولات اعتداء جنسي متكررة على النساء ليلا، خصوصا أثناء الذهاب إلى المرحاض محيط مركز الاستقبال والشاطئ/المخيمات المؤقتة
5 ذكرى تطوان، 20 سنة Reuters تحرش متكرر واعتداءات جنسية قالت إنها تطال النساء في المخيم قرب مركز الاستقبال
6 آية، 17 سنة Reuters، عبر شهادة أختها تظهر في شهادة أختها باعتبارها موجودة معها في المخيم وسط ظروف انعدام الأمان والتحرش محيط مركز الاستقبال
7 ثلاث نساء مهاجرات غير مسميات Reuters تعرضن، وفق شهادتهن الجماعية، لمضايقات من رجال يقيمون في محيط المخيم منطقة El Trampolín
8 قاصر مهاجرة غير مسماة مصادر صحية/قضائية نقلتها Cadena SER محاولة اغتصاب سبتة، بعد 30 يوليوز
9 قاصر مهاجرة غير مسماة Cadena SER محاولة اغتصاب ثانية سبتة
10 قاصر مهاجرة غير مسماة مصادر صحية نقلتها Cadena SER اعتداء جنسي مع وجود علامات تفيد بوقوع اغتصاب سبتة
11 قاصر مهاجرة غير مسماة Cadena SER اعتداء جنسي مع علامات تفيد بوقوع اغتصاب سبتة
12 نساء مهاجرات غير مسميات، ضمن مجموعة المخيم Reuters مضايقات وخوف مستمر من الاعتداءات الجنسية بسبب النوم في العراء وعدم وجود مرافق منفصلة El Trampolín ومحيط مركز الاستقبال
13 مهاجرون عائدون إلى المغرب، دون أسماء المجلس الوطني لحقوق الإنسان المغربي سوء معاملة واعتداءات جسدية نسبت إلى عناصر من قوات الأمن الإسبانية أثناء/بعد دخول سبتة، خصوصا أماكن بعيدة عن الكاميرات
14 قاصرون مهاجرون، دون أسماء المجلس الوطني لحقوق الإنسان مطاردة، ضرب، شتائم واستهداف من مجموعات متطرفة/محلية

في الـ 26 من غشت المنصرم، عرفت سبتة المحتلة توترا وقع أثناء توزيع المساعدات في شاطئ ترمبلين، بعدما خرج أحد المهاجرين للصلاة خارج الصف، فتدخلت الشرطة لدفعه إلى الصف، ثم تطور الموقف إلى تدافع ورشق بالحجارة ومواجهة واسعة. ورغم عدم وجود فيديو يوثق هذه الواقعة إلى أن عدد من المهاجرين أكدو الواقعة ضمن مقاطع فيديو بمواقع التواصل الاجتماعي، كما أكدت مصادر إعلامية إسبانية كذلك المعطى المتعلق في أن منع الصلاة كان الشرارة المباشرة لأحداث 27 غشت.

واستمر التوتر خلال يومي 27 و28 غشت، إذ دخلت سبتة المحتلة مرحلة جديدة من المواجهات، بعدما تزامنت اصطدامات متفرقة بين مهاجرين وقوات الأمن مع اعتداءات من سكان محليين على أماكن تجمع المهاجرين. 

ففي فجر 27 غشت، تعرضت دورية عسكرية في منطقة بنزو للرشق بالحجارة من طرف مجموعة قدرتها الشرطة بين 30 و40 شخصا، ما أدى إلى إصابة أربعة عسكريين، قبل أن تتدخل الشرطة والحرس المدني وتوقف 12 مهاجرا مغربيا. 

وفي اليوم نفسه، شهد محيط شاطئي ترمبلين وبنيتز مواجهات بين محتجين وسكان من جهة ومهاجرين من جهة أخرى، واضطرت قوات الأمن إلى إطلاق عيارات تحذيرية في الهواء ومنع محاولات الوصول إلى أماكن تجمع المهاجرين، فيما أقدم محتجون على إحراق مأويين وإتلاف ممتلكات للمهاجرين وعرقلة شاحنة للصليب الأحمر كانت تنقل مساعدات غذائية.

وفي 28 غشت، استمرت حالة التوتر مع تسجيل توقيف مهاجرين اثنين في ميناء ألفاو بعد اتهامهما بمقاومة عناصر من الحرس المدني والاعتداء على أحدهم أثناء عملية مراقبة؛ وفتحت بشأن الواقعة إجراءات بتهمة الاعتداء على موظف أو عنصر من السلطة. كما ظلت تداعيات أحداث الليلة السابقة حاضرة، ولا سيما قضية العسكريين الأربعة، التي أسفرت عن توقيف 12 مهاجرا والتحقيق معهم. 

وتأتي هذه التطورات في وقت بدأت فيه السلطات الإسبانية تشديد التدابير الأمنية وطلب دعم إضافي من Frontex لمعالجة أوضاع المهاجرين وفرزهم.

 

السلطات الإسبانية تنفي تعرض المهاجرين لاعتداءات

نفت السلطات الإسبانية أن تكون قوات الأمن قد مارست اعتداءات أو سوء معاملة ممنهجة ضد المهاجرين، وشدد وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا على أن أجهزة الأمن تعمل في إطار القانون واحترام حقوق الإنسان، داعيا في الوقت نفسه إلى وقف أعمال العنف أيا كان مصدرها. 

أما نقابة الشرطة JUPOL فقد قدمت رواية أكثر تشددا، معتبرة أن الوضع الأمني بلغ مرحلة خطيرة، وقالت في 28 غشت إنها رصدت تصاعدا في الاعتداءات على قوات الأمن والعسكريين، وادعت خصوصا تعرض عسكريين لإلقاء زجاجة حارقة، مطالبة بتعزيز فوري للشرطة والوسائل والوحدات المتخصصة؛ غير أن واقعة الزجاجة الحارقة لم تكن قد تلقت، وقت نشر الخبر، تأكيدا علنيا من وزارة الداخلية أو وزارة الدفاع أو مندوبية الحكومة في سبتة، ولذلك ينبغي احتسابها مزايدة صريحة من النقابة وعدم تقديمها كواقعة مثبتة.

 

ج. القاصرون: الأزمة داخل الأزمة

 

تشكل وضعية الأطفال والقاصرين أخطر حلقات أحداث سبتة. فبعد أيام قليلة من التدفق، كانت السلطات المحلية قد أعلنت أنها تؤوي 862 قاصر، مع إقرارها بوجود آخرين في الشوارع لم يكن عددهم معروفا بعد، فيما أعلنت وزيرة الشباب والطفولة سيرا ريغو أن 1.342 طفل أصبحوا مسجلين في نظام الاستقبال، لكنها أقرت بأن عددا أكبر لم يكن قد تم التعرف عليه بعد .

وبحلول 11 غشت، أعلنت الحكومة الاسبانية أن عدد القاصرين الذين تم التعرف عليهم بواسطة أجهزة الشرطة وصل إلى 1.527 قاصر، غير أن منظمات الحماية كانت تشير إلى واقع أكثر خطورة بكثير، وأفادت  Save the Children بأن أكثر من ألف طفل يمكن أن يكونوا قد ظلوا خارج نظام الحماية، بينهم أطفال في السابعة من العمر ينامون في الشوارع دون إشراف، ولا يحصل بعضهم إلا على وجبة أو وجبتين في اليوم؛ كما نقلت El País عن المنظمة قولها إن “تضامن المواطنين مهم لكنه لا يمكن أن يحل محل المسؤولية المؤسساتية.

 

ثم ارتفعت التقديرات الميدانية لاحقا. ففي 13 غشت تحدثت  El País، استنادا إلى معطيات الجمعيات المحلية و Save the Children، عن احتمال وجود ما يصل إلى 4.000 قاصر في وضعية الشارع، في مقابل نحو 2.500 كان معترف بهم رسميا آنذاك، بينما كان نحو 1.500 فقط داخل منظومة الحماية. وأشارت المعطيات إلى أطفال ينامون على الأرض، في غياب شروط النظافة والرعاية الصحية الكافية، وإلى إصابات وعدوى وأمراض جلدية، مع مخاطر أشد بالنسبة إلى الفتيات غير المصحوبات.

وتكشف هذه الأرقام وجود فجوة حقيقية بين واجب الدولة في التعرف الفوري على الطفل وتوفير الحماية له، وبين الواقع الذي ترك فيه مئات، وربما آلاف، الأطفال خارج المؤسسات المكلفة بحمايتهم.

وكانت النيابة العامة الإسبانية نفسها قد أدركت خطورة الوضع، إذ أصدرت المدعية العامة للدولة “تيريزا بيراماتو” في 7 غشت توجيهات خاصة لضمان “حماية” القاصرين المهاجرين غير المصحوبين وتأمين “الاستقبال الملائم” و”الرعاية الفورية”، مع توجيه النيابات المختصة بالأطفال إلى التدخل عند حصول تقصير في توفير الحماية. 

وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة لأن وضع الطفل قانونيا لا يتغير بدخوله غير النظامي. فصفة “الطفل” تسبق في منظومة حقوق الإنسان صفته “كمهاجر”، والمصلحة الفضلى للطفل يجب أن تكون الاعتبار الأول في كل قرار يخصه.

 

وتعد قضية القاصرين غير المصحوبين، واحدة من أبرز الخلافات القانونية بين المغرب وإسبانيا، حيث يتمسك المغرب، وفق الموقف الذي عبرت عنه مصادر رسمية وشبه رسمية، وأكده وزير العدل عبد اللطيف وهبي في مقابلات تلفزيونية، عقب أزمة سبتة، باستعادة القاصرين المغاربة غير المصحوبين الموجودين في المدينة، معلنا استعداده للتعاون مع إسبانيا في تحديد هوياتهم وتنظيم عودتهم. ويستند هذا الموقف أساسا إلى الاتفاق المغربي الإسباني الموقع في 6 مارس 2007 بشأن التعاون في مجال الوقاية من هجرة القاصرين غير المصحوبين وحمايتهم وعودتهم المنسقة، والذي يضع إطارا للتعاون بشأن إعادة القاصرين إلى بلدهم الأصلي. 

وقد أكدت الرباط استعدادها للتعاون في هذا المجال، فيما ظل الخلاف مع مدريد منصبا أساسا على كيفية تنفيذ الإعادة وضماناتها القانونية، وليس على مبدأ التعاون نفسه.

 

في المقابل، ترى إسبانيا أن الاتفاق الثنائي لا يتيح إعادة جماعية أو تلقائية للقاصرين، إذ تخضع إعادتهم للقانون الإسباني وقانون الاتحاد الأوروبي ولمبدأ المصلحة الفضلى للطفل، مع ضرورة دراسة وضع كل قاصر على حدة وضمان سلامته واستقباله الملائم. وقد أكدت المفوضية الأوروبية أن القاصرين غير المصحوبين في سبتة يخضعون لقواعد الاتحاد الأوروبي، لكنها أقرت في الوقت نفسه بأن إعادتهم إلى المغرب ممكنة قانونا متى استوفت الشروط والإجراءات والضمانات المطلوبة. ويتعزز هذا القيد أيضا بالالتزامات الدولية، ولا سيما اتفاقية حقوق الطفل ومبدأ عدم الإعادة إلى الخطر، فضلا عن السوابق الصادرة عن لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة التي انتقدت إسبانيا سابقا بسبب إعادة قاصرين دون ضمانات فردية كافية.

 

د. شهادات الأطفال وظروف الشارع

منذ الأيام الأولى، نشرت الصحافة الإسبانية شهادات لقاصرين كانوا يعيشون في الشوارع دون مأوى أو مساعدة كافية.

ففي العاشر من غشت، عاين مندوب العصبة مجموعة من الأطفال الذين أمضوا أياما في المدينة دون طعام ودون التمكن من إيجاد مكان للإيواء، ومن بينهم فتيات ومصابين وجرحى نتيجة التدافع والصدامات العبور أو نتيجة اعتداءات تعرضوا لها من طرف مدنيين إسبان أو من عناصر من الحرس المدني أو من الجيش الإسباني، حسب زعمهم.

ولا يمكن فصل هذا الوضع عن مخاطر العنف والاستغلال والاتجار والاعتداء الجنسي، فترك طفل أو طفلة ليلا في الشارع وسط مدينة تعيش ظرفا أمنيا استثنائيا لا يمثل فقط نقصا في خدمة اجتماعية، وإنما يمكن أن يتحول إلى إخلال مباشر بواجب الحماية.

ولهذا السبب أعلنت الحكومة الإسبانية في 19 غشت العمل على خطة عاجلة لنقل حوالي (500 فتاة مهاجرة غير مصحوبة) من سبتة إلى شبه الجزيرة، بسبب ما وصف بالوضع شديد الهشاشة وبسبب المخاطر الخاصة التي تواجهها الفتيات.

إسماعيل، 12 سنة: تحدث El País مع إسماعيل، وهو قاصر مغربي غير مصحوب كان يقيم مع أطفال ومراهقين آخرين في مخيم مؤقت أقيم بملعب في حي La Reina. قال إنه جاء إلى سبتة بحثا عن مستقبل أفضل، وإن حلمه أن يصبح لاعب كرة قدم ويمثل إسبانيا. وكان يعيش، إلى جانب نحو 350 امرأة وطفلا، في ظروف مؤقتة تفتقر إلى المرافق الأساسية، من بينها أماكن كافية للنوم ودورات المياه. وتبرز شهادته أن كثيرا من القاصرين لم يكونوا يتعاملون مع وجودهم في سبتة باعتباره مجرد محاولة للعبور، بل كانوا يربطونه بأمل في التعليم والعمل وبناء مستقبل مختلف.

فتاة تبلغ 17 سنة من طنجة: أفادت لوكالة أسوشيتد برس بأنها شاهدت أثناء محاولة العبور انتشال جثمان شقيقها البالغ ثماني سنوات من البحر، وأنها انفصلت عن والدتها خلال الرحلة. وبعد وصولها إلى سبتة لم تجد مكانا في مركز إيواء القاصرين، فأصبحت تعتمد على مساعدات السكان للحصول على الطعام والمأوى. وهي شهادة تعكس ليس فقط مخاطر العبور، وإنما أيضا الصدمة النفسية وفقدان أحد أفراد الأسرة ثم استمرار حالة عدم الاستقرار بعد الوصول.

فتيات قاصرات في شوارع سبتة: نقلت Cadena SER شهادات عدد من الفتيات اللواتي قلن إنهن ينمن على البطانيات في الشارع، ويعانين من الخوف من قضاء الليل في العراء ونقص الماء والغذاء، مع إفادتهن بأن المساعدة الغذائية كانت تصل مرة واحدة في اليوم تقريبا. كما عبرت إحداهن عن خوفها من العودة إلى المغرب، معتبرة أن ظروفها هناك لا توفر لها فرصا للمستقبل.

قاصرون يقيمون في ظروف مؤقتة بالشارع: نقلت رويترز شهادات ميدانية عن قاصرين كانوا يتلقون الطعام من متطوعين، فيما قال أحد سكان سبتة إنه اضطر إلى قضاء ليال في الشارع مع أطفال مهاجرين، وأنه وضع إحدى الفتيات داخل سيارته لحمايتها، بعدما تعذر على السلطات استقبال مزيد من القاصرين بسبب امتلاء مرافق الإيواء. وتؤكد هذه الشهادة، وإن كانت من شخص بالغ يقدم المساعدة وليس من القاصرين أنفسهم، حجم الضغط الذي واجهه نظام حماية الطفولة.

 

تكشف هذه الشهادات عن ثلاث مسائل متقاطعة:

  • تعرض بعض القاصرين لصدمات وفقدان أفراد من أسرهم أثناء العبور؛

  • استمرار عدد منهم في الشارع أو في مرافق مؤقتة في ظل نقص الماء والغذاء والحماية؛ 

  • الخوف من الإعادة إلى المغرب. 

كما تؤكد المعطيات المنشورة في 26 غشت أن نحو 300 فتاة قاصر كن لا يزلن خارج نظام الإيواء الملائم، رغم نقل مئات القاصرات إلى مرافق أخرى، مع استمرار عدم معرفة العدد الدقيق للقاصرين الذين بقوا خارج منظومة الحماية.

 

هـ. النساء والقاصرات وخطر العنف الجنسي

أصبحت المخاوف بشأن سلامة النساء والفتيات أكثر وضوحا مع مرور الأيام. فقد أفادت وكالة  Reuters، في تحقيق ميداني نشرته بتاريخ 18 غشت، بأن أكثر من اثنتي عشرة مهاجرة تحدثن عن تعرضهن للتحرش وعن شعورهن بانعدام الأمن في مواقع الإقامة المؤقتة، وسط مخاوف من الاعتداء الجنسي. وأفادت الوكالة بأن ما لا يقل عن 15 بلاغا بشأن اعتداءات جنسية، كان أغلب الضحايا فيها قاصرين، سجلت منذ موجة الهجرة، مع اختلاف جنسيات المتهمين والضحايا .

كما أفادت المعطيات التي نقلتها الوكالة بأن وزيرة الصحة الإسبانية أكدت تلقي (خمس نساء رعاية طبية مرتبطة بالعنف الجنسي). وهذه الوقائع تجعل حماية النساء والفتيات من الاعتداء جزءا أساسيا من المسؤولية التي تقع على عاتق السلطات، ولا سيما عندما تكون الدولة على علم المسبق بوجود مئات القاصرات في بيئة مكتظة وغير آمنة.

وبحسب أحدث المعطيات الرسمية الإسبانية المنشورة في 27 و28 غشت 2026، فإن الحصيلة الأحدث للاعتداءات الجنسية في سبتة هي 16 اعتداء جنسيا مفترضا أسفرت عن 17 ضحية، من بينهم 16 امرأة، والغالبية قاصرات. وفي 28 غشت، أوضح وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا أن 7 من أصل 17 حالة صنفت كاغتصاب. وهذه الأرقام تخص الفترة التي أعقبت الدخول الجماعي للمهاجرين في 30 و31 يوليوز.

وقد أحيل عدد من الوقائع إلى القضاء، حيث صدرت في القضايا الأولى أوامر بالحبس الاحتياطي بحق متهمين، فيما تقرر إبعاد آخر إلى المغرب، بينما أعلنت النيابة تعزيز مواردها البشرية بثلاثة مدعين لمواجهة ارتفاع القضايا. 

وينبغي، مع ذلك، تجنب تحميل جماعة قومية أو إثنية بعينها مسؤولية تلك الاعتداءات. فالمعطيات القضائية الإسبانية أظهرت أيضا وجود تحقيقات في اعتداءات جنسية اتهم فيها أشخاص دخلوا ضمن موجة الهجرة، وهو ما يؤكد أن حماية الضحايا والتحقيق في الجرائم يجب أن ينطلقا من المسؤولية الفردية لا من التعميم على أساس الجنسية أو الأصل. وهذه النقطة بالذات ذات أهمية في مواجهة الخطاب العنصري:

 

 

 

و. من المخاوف الأمنية إلى خطاب الاستهداف الجماعي

 

الأكثر إثارة للقلق هو أن أحداث سبتة المحتلة رافقها انتقال واضح من النقاش المشروع حول إدارة الحدود والأمن إلى خطاب يضع فئات بشرية بأكملها موضع الاشتباه والعداء.

وفي هذا السياق، ظهرت تنظيمات وشخصيات من اليمين المتطرف داخل المدينة، في وقت كان آلاف المهاجرين والقاصرين ما يزالون منتشرين في الشوارع.

ففي الأول من غشت، أكدت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية الرسمية RTVE تنظيم تحرك في سبتة شاركت فيه جماعة  Núcleo Nacional التي وصفتها المؤسسة الإعلامية الإسبانية بأنها “مجموعة متطرفة”، إلى جانب تجمع قاده لويس “ألفيس” بيريث. واضطرت الشرطة الوطنية إلى إجلاء ألفيس بيريث كما أخرجت نحو عشرين من عناصر Núcleo Nacional  من المكان بعدما واجههم سكان المدينة بتظاهرات مضادة.

وأكدت  Europa Press  الواقعة نفسها، موضحة أن المحتجين المضادين كانوا من سكان سبتة، ومن بينهم مواطنون من أصول مغربية، وأن الشرطة رافقت أفراد المجموعة إلى الميناء.

وفي التظاهرات المضادة، ردد السكان شعارات من قبيل “سبتة موحدة وليست منقسمة”، وهي دلالة مهمة على إدراك جزء من السكان أن التهديد لم يعد محصورا في ملف الهجرة، وإنما أصبح يمس التعايش الداخلي نفسه.

ونقل  Cadena SER  عن الشابة الإسبانية المسلمة سهام عبد الله انتقادها لاستغلال الجماعات المتطرفة للأزمة ودفعها نحو الانقسام والكراهية، كما نقلت عن رئيس جمعية حي “لا رينا”، عبد الله مصطفى، إدانته للخطاب الشعبوي والمعادي للإسلام، وتشديده على وحدة المسلمين والمسيحيين في الدفاع عن المدينة وعن المعاملة الكريمة للمهاجرين.

وهذه الشهادات المحلية مهمة لأنها تبين أن مقاومة خطاب الكراهية لم تأت فقط من المنظمات الحقوقية أو من خارج سبتة، بل من داخل المجتمع السبتي نفسه.

 

ز. حماية التعايش داخل سبتة

 

يتخذ الأمر بعدا إضافيا بسبب التركيبة الاجتماعية والدينية الخاصة لسبتة المحتلة. فالمدينة ليست فضاء متجانسا، وإنما يعيش فيها منذ عقود مسلمون ومسيحيون ويهود وهندوس، إلى جانب مواطنين من أصول ثقافية مختلفة.

ومن ثم فإن خطابا يبدأ باستهداف “المهاجر المغربي” يمكن، في مناخ مشحون، أن ينتقل بسهولة إلى استهداف المواطن الإسباني المسلم أو الإسباني من أصول مغربية بسبب اسمه أو ملامحه أو لباسه.

ولهذا تكتسب التعبئة المضادة التي شهدتها المدينة أهمية خاصة. فلم تكتف فئات من السكان برفض تجمعات اليمين المتطرف، بل شهدت سبتة لاحقا تحركات شاركت فيها مكونات دينية واجتماعية متعددة دفاعا عن التعايش والمطالبة بحل الأزمة.

وفي 9 غشت، أفادت  El País  بأن الطوائف الدينية في سبتة دعت إلى تجمع عام للمطالبة باستجابة عاجلة للأزمة، بينما شجع رئيس المدينة خوان خيسوس فيفاس السكان على المشاركة، مؤكدا أن الأمر ينبغي أن يكون تعبيرا جماعيا للمدينة وليس نشاطا تابعا لحزب سياسي .

ويجعل هذا التحرك من الصعب اختزال ما وقع في مواجهة بين “الإسبان” و”المهاجرين”. فقد كان داخل المجتمع الإسباني نفسه تيار مدني واضح رفض العنصرية ورفض تحويل الهجرة إلى مواجهة إثنية أو دينية.

ومن المشروع، في ضوء هذه الوقائع، القول إن “تصدي السكان والجمعيات والمواطنين الإسبان من أصول مغربية وباقي مكونات المجتمع السبتي للخطاب المتطرف ساهم في منع توسع دائرة المواجهات”. ولا يمكن تحديد النتيجة التي كانت ستقع في غياب هذه المقاومة المدنية، لكن تزامن وجود آلاف الأشخاص في الشوارع مع تعبئة يمينية متطرفة وخطاب قائم على الخوف والعداء يحمل بوضوح خطر انزلاق المدينة نحو مواجهات أشد خطورة، وهو ما تحقق خلال يومي 27 و28 غشت، إذ شهدت سبتة المحتلة تصعيدا لافتا في التوتر، بعدما تحولت احتجاجات السكان إلى مواجهات واعتداءات طالت المهاجرين وأماكن إقامتهم؛ حين أقدم محتجون على اقتحام جزء من مخيم المهاجرين بشاطئ ترمبلين وإحراق ممتلكاتهم، كما جرت محاولات لعرقلة توزيع المساعدات الإنسانية، بالتزامن مع تنظيم مسيرات رفعت مطالب بإبعاد المهاجرين.

 وتزامنت الأحداث المشار إليها أعلاه مع بروز مؤشرات أكثر وضوحا على تنامي خطاب الكراهية والعنصرية، سواء عبر الدعوات المتداولة في شبكات التواصل أو عبر خطاب يحمّل المهاجرين بصورة جماعية مسؤولية الوضع الأمني والاجتماعي، فيما تحدثت تقارير عن مجموعات منظمة تنسق تحركاتها عبر تطبيقات التواصل وتقوم بملاحقة مهاجرين واستهداف بعض السكان المسلمين والمتاجر التي تقدم لهم المساعدة، وهو المعطى الذي وثقتها تحقيقات إعلامية وشهدت بوجوده جريدة El País وأكده أيضا مندوب العصبة، أيام قبل 27 و28 غشت، حيث أفاد للجنة الصياغة أن هذا التطور يثير بشكل ملح المخاوف من انتقال خطاب التحريض من المجال الرقمي والسياسي إلى العنف المادي والاستهداف الجماعي.

 

ح. سجل سابق يستوجب مزيدا من الحذر

 

ليست هذه المرة الأولى التي تظهر فيها بشكل بارز الادعاءات المتعلقة باستعمال القوة أو سوء معاملة المهاجرين في سبتة المحتلة.

فخلال أزمة ماي 2021، وثقت منظمة العفو الدولية  Amnesty International  شهادات ووقائع قالت إنها تضمنت استعمال العنف والإعادة القسرية بحق أشخاص دخلوا سبتة، بمن فيهم أطفال، وانتقدت التعامل مع المهاجرين باعتبارهم أدوات في نزاع سياسي بين المغرب وإسبانيا.

كما أن عمليات إعادة القاصرين التي جرت عقب أزمة 2021 تحولت لاحقا إلى قضية قانونية وقضائية داخل إسبانيا. وقد ذكرت  El País  في تغطيتها لأزمة 2021 بأن 55 قاصرا أعيدوا آنذاك إلى المغرب دون احترام المساطر القانونية المطلوبة، وأن تجاوز تلك الإجراءات أدى إلى مساءلات قضائية .

ومن ثم فإن ما وقع سنة 2026 لا يمكن قراءته من دون استحضار هذا التاريخ القريب، ليس للقول إن الوقائع متطابقة، وإنما لأن وجود سوابق كان يفترض أن يدفع السلطات إلى بناء نظام حماية ورقابة أكثر صرامة، خصوصا بالنسبة إلى القاصرين.

 

ط . مسؤولية السلطات عن الوقاية والحماية

 

إن واجب الدولة في مجال حقوق الإنسان لا يقتصر على الامتناع عن ارتكاب الاعتداء بواسطة موظفيها، بل يشمل أيضا اتخاذ التدابير المعقولة لحماية الأشخاص من الاعتداءات التي يرتكبها أفراد أو جماعات خاصة، متى كانت السلطات تعلم أو كان يفترض أن تعلم بوجود خطر حقيقي عليهم.

ومن هنا فإن الاعتداءات التي يرتكبها مواطنون أو جماعات متطرفة ضد مهاجرين لا تصبح، لمجرد أنها صادرة عن أفراد، خارج دائرة مسؤولية السلطات العامة.

وعليه فإن الحكومة الاسبانية هي الآن في أكثر الفترات التاريخية حصارا من قبل أسئلة حقوقية تستوجب التفاعل الميداني والاجابة الفعلية  :

 

إن الأسئلة في الصورة أعلاه تزداد مشروعية بالنظر إلى أن الحكومة الإسبانية نفسها أقرت بأنها لم تتوقع الأزمة على الرغم من وجود مؤشرات سابقة. فقد نقلت El País  في الأول من غشت عن مسؤول حكومي كبير قوله إن الحكومة لم تكن تتوفر على المعلومات الضرورية، وأن دخول نحو 50 ألف شخص في 24 ساعة دليل على ذلك، كما أشارت الصحيفة إلى وجود تحذيرات سابقة من رئيس سبتة وتقارير أولية للحرس المدني بشأن ارتفاع عمليات العبور سباحة.

 

2.5 مليلية المحتلة: الضغوط الحدودية وهشاشة القاصرين ومخاطر المقاربة الأمنية

 

لم تكن مليلية المحتلة بمنأى عن التداعيات الحقوقية التي صاحبت أحداث سبتة المحتلة، وإن كان حجم التدفق فيها أقل بكثير. فبحسب مندوبية الحكومة الإسبانية في مليلية، حاول 1.323 شخصا الدخول إلى المدينة خلال يومي الضغط الأكبر على الحدود، وأعيد 1.063  شخصا إلى المغرب، بينما ظل نحو 260  مهاجرا داخل المدينة، وهي أرقام نقلتها كل من Europa Press وEl Faro de Melilla بتاريخ 4 غشت 2026. 

وتكتسي هذه المعطيات أهمية حقوقية خاصة بسبب العدد الكبير من عمليات الإرجاع التي تمت في ظرف زمني قصير، بما يفرض التحقق من احترام الضمانات الفردية، ولا سيما بالنسبة إلى القاصرين وطالبي الحماية الدولية والأشخاص الموجودين في أوضاع هشاشة. وفي أعقاب الأحداث، عززت وزارة الداخلية الإسبانية انتشار الشرطة الوطنية والحرس المدني برا وبحرا وجوا، كما علقت قيادة الحرس المدني منح العطل والتراخيص في قيادتي سبتة ومليلية المحتلتين ضمن ما وصفته بـ”التدابير المؤقتة الاستثنائية” لتعزيز السيطرة على الحدود. 

غير أن الوجه الأكثر إثارة للقلق في مليلية المحتلة يتعلق بالقاصرين غير المصحوبين. فقد أفادت RTVE  في 3 غشت بأن نحو  100  قاصر وصلوا إلى المدينة خلال أيام الأزمة، وأن عدد الأطفال الموجودين تحت رعاية مليلية المحتلة تجاوز 300  قاصر، غالبيتهم في مركز La Purísima، في حين حذرت جمعية Mec de la Rue من أن المركز لا تتوافر فيه الظروف الملائمة لاستقبالهم، وطالبت بتوفير رعاية نفسية لهم. وأعلنت حكومة مليلية المحتلة لاحقا أن عدد القاصرين الخاضعين للوصاية ارتفع من 166  في 30 يونيو إلى 312 في 4 غشت، أي بزيادة قدرها 146 قاصرا خلال فترة وجيزة.

 ولم يكن الحديث عن الاكتظاظ مجرد توصيف نظري؛ ففي 14 غشت اضطرت حكومة المدينة إلى إضافة 100  سرير و100 فراش مقاوم للحريق إلى مركز La Purísima  بسبب ما وصفته رسميا بـ”فرط الإشغال وفق ما أوردته Europa Press.

وتبلغ مؤشرات الاختلال مستوى أكثر خطورة في الوقائع التي وثقتها RTVE  بتاريخ 6 غشت، حين صورت طفلين يبلغان نحو عشر سنوات وهما يقفزان من السياج في مليلية المحتلة ويلقيان بنفسيهما في البحر للسباحة نحو الناظور والعودة إلى المغرب. 

وربطت الجمعيات العاملة مع المهاجرين هذه السلوكيات بحالة الاكتظاظ وسوء ظروف الاستقبال داخل مركز La Purísima، فيما أكدت المدينة نفسها أن المركز تجاوز طاقته الاستيعابية. وفي اليوم نفسه، تحدثت RTVE صراحة عن “يأس القاصرين المهاجرين”، مشيرة إلى أن بعض الأطفال أصبحوا يخاطرون بحياتهم في البحر هربا من ظروف الاستقبال RTVE . وهذه الواقعة تثير سؤالا حقوقيا بالغ الخطورة: عندما يختار طفل في العاشرة تعريض حياته لخطر الغرق من أجل مغادرة مؤسسة يفترض أنها أنشئت لحمايته، فإن تقييم أداء منظومة الحماية لا يمكن أن يقتصر على عدد الأسرة أو القدرة الاستيعابية، بل يجب أن يشمل شروط الإقامة والسلامة والرعاية النفسية والمعاملة والرقابة المستقلة داخل تلك المؤسسات. 

وبناء على تكليف فريق العمل المكلف بإعداد التقرير التركيبي، انتقل الكاتب الإقليمي للعصبة بالناظور إلى مليلية يوم 11 غشت المنصرم، للتحقق ميدانيا، في حدود الإمكانات المتاحة، من المعطيات التي تداولتها وسائل الإعلام بشأن ظروف إيواء القاصرين غير المصحوبين، حيث زار مركز La Purísima والتقى بإدارته.

وأفاد الكاتب الإقليمي فريق الصياغة بأنه استمع خلال الزيارة إلى عدد من القاصرين المقيمين بالمركز، ولم يتلق، في حدود الإفادات التي قدموها، شكاوى صريحة بشأن ظروف الإيواء أو ادعاءات بسوء المعاملة. كما لم تكشف المعاينة الميدانية التي أجراها عن مظاهر تتطابق، بالدرجة نفسها، مع بعض الأوصاف التي أوردتها وسائل إعلام إسبانية بشأن وضعية المركز. غير أن هذه المعاينة تظل محدودة زمنيا ومجاليا، ولا يمكن، بمفردها، أن تشكل أساسا لنفي أو إثبات جميع المعطيات المتداولة بشأن ظروف الإيواء. وفي هذا السياق، أفاد أحد العاملين بالمركز، بحسب الكاتب الإقليمي، بأن المؤسسة كانت قبل موجة العبور مهيأة للإغلاق النهائي، وأن تعزيزات بشرية ولوجستية لم تصل إليها إلا قبل يومين من الزيارة. ويظل هذا المعطى، وإن كان يستند إلى إفادة مصدر واحد، جديرا بالتسجيل، لكونه قد يساعد في تفسير التحسن الملحوظ في بعض جوانب ظروف الإيواء خلال فترة المعاينة، ولا سيما في أعقاب تصاعد الاهتمام الإعلامي، بما فيه الرسمي، بوضعية القاصرين داخل المركز.

كما وجب التأكيد بناء على بحث معمق أنه لا تظهر، إلى حدود المصادر الإسبانية التي أمكن التحقق منها، معطيات بالقدر نفسه المتوافر بشأن سبتة المحتلة تسمح بإثبات وقوع حملة منظمة من الاعتداءات العنصرية التي ارتكبها أفراد ضد المهاجرين داخل مليلية المحتلة خلال أحداث يوليوز وغشت 2026، كما لا تتوافر أدلة كافية لإسناد اعتداءات محددة حديثة إلى عناصر الشرطة أو الحرس المدني على النحو الذي ورد في بعض شهادات سبتة المحتلة. 

وحيث إنه من المهم تسجيل هذا الفارق حتى لا تنقل وقائع سبتة آليا إلى مليلية المحتلتين. إلا أن ذلك لا يعني غياب عناصر القلق؛ فقد وصفت صحيفة El País، في 15 غشت، الأجواء في مليلية بأنها هادئة ظاهريا، لكنها مشبعة بالخوف من تكرار سيناريو سبتة. وأشارت إلى اكتظاظ مركز La Purísima، وإلى توترات ومواجهات بين بعض القاصرين داخله، فضلا عن تحذير جمعية Mec de la Rue من أن إهمال هؤلاء الأطفال قد يجعلهم عرضة لشبكات الجريمة والاستغلال. ومن ثم، ينبغي تقييم الوضع الحقوقي في مليلية المحتلة انطلاقا من خصوصيته، لا باعتباره امتدادا آليا لما وقع في سبتة.

ففي سبتة المحتلة برز بقوة تداخل ادعاءات سوء المعاملة والعنف العنصري وحضور جماعات اليمين المتطرف، بينما تكشف مليلية المحتلة، بصورة أوضح، عن ثقل المقاربة الأمنية للحدود، والعدد المرتفع للإرجاعات، وهشاشة منظومة حماية القاصرين واكتظاظ مؤسسات الاستقبال ويجمع المدينتين، مع ذلك، سؤال حقوقي واحد: هل استجابت الدولة الإسبانية لضغط الهجرة باعتباره تحديا أمنيا قبل أن تتعامل معه باعتباره أيضا حالة تستوجب الحماية الفردية، ولا سيما حماية الأطفال؟ فالوقائع التي وصلت إلى حد سباحة طفلين في العاشرة عائدين إلى المغرب هربا من ظروف الاستقبال، رغم ما تلا ذلك من تدارك، تجعل هذا السؤال مشروعا.

 

6. الإعادة والنقل والعودة

يفرق التقرير بين العودة الطوعية، والإعادة القسرية، والرفض الفوري على الحدود، والنقل الإداري داخل التراب، ويتطلب كل إجراء تحديدا فرديا للهوية والسن والحالة الصحية واحتياجات الحماية، وإبلاغا مفهوما بالحقوق، وإمكانا فعلياً لطلب اللجوء أو الحماية، وعدم إعادة الشخص إلى خطر التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، خاصة عندما يتعلق الأمر بعدد من العابرين ضمن الهجرة غير النظامية المنحدرين من بعض دول إفريقيا جنوب الصحراء.

 

وحسب توصيات أمين المظالم الإسباني فقد أكد من خلالها على ضرورة توثيق إعلام الأجنبي بإمكان طلب الحماية الدولية، والتحقق من السن ومؤشرات الاتجار بالبشر، وتطوير مسطرة الرفض الحدودي بما يسمح بالحالات الفردية والرقابة القضائية، واحترام مبادئ الملاءمة والفرصة والتناسب وعدم الممارسات التعسفية أو التمييزية. 

  • أزمة الأحياء و الأموات: بين حق التعرف وضرورة الكشف عن أسباب الوفاة

وبالموازاة مع أزمة القاصرين والمهاجرين، برز ملف جثامين الذين قضوا أثناء محاولة الوصول إلى سبتة باعتباره أحد أكثر جوانب الأزمة حساسية. فبعد أن بدأت السلطات الإسبانية، منذ مطلع غشت، إجراءات التعرف على الجثامين بواسطة البصمات وعينات الحمض النووي، ارتفعت الحصيلة الإجمالية إلى 88 جثمانا، تم التعرف على عدد محدود منها، بينما تعذر تحديد هوية البقية في ظل غياب وثائق الهوية وصعوبة الحصول على عينات مرجعية من الأسر. وقد استمرت عمليات الدفن تباعا في المقبرة الإسلامية سيدي إمبارك، إلى أن شملت، وفق أحدث المعطيات المنشورة، جميع الجثامين الـ88، حيث تمت مراسم الدفن وفق الشعائر الإسلامية وبإشراف الجهات والجمعيات الإسلامية المحلية.

 

ويطرح هذا المسار، من منظور حقوقي، إشكالية تتجاوز مجرد دفن الجثامين إلى حق كل ضحية في الهوية وحق أسرها في معرفة مصيرها والحصول على معلومات دقيقة بشأن ظروف وفاتها. ولذلك تظل مسؤولية السلطات الإسبانية قائمة في توثيق كل حالة بصورة فردية، بما يشمل نتائج التشريح والبصمات والعينات الجينية والصور وسائر المعطيات ذات الصلة، مع إتاحة إمكانية المطابقة والتعرف اللاحق على الضحايا. 

كما أن تحديد سبب الوفاة لكل ضحية على حدة يكتسي أهمية خاصة، لاسيما في ظل ما أثير بشأن ظروف العبور والتدافع واستعمال القوة؛ إذ لا تكفي الإحالة العامة إلى الغرق أو السقوط ما لم تؤكدها نتائج الطب الشرعي لكل حالة. وفي هذا الإطار، ينبغي للسلطات الإسبانية أن توضح، في حدود ما يسمح به القانون، أسباب الوفاة والنتائج الطبية والتحقيقية الخاصة بكل ضحية، وأن تضمن عدم إغلاق أي فرضية تتعلق بالعنف أو سوء المعاملة قبل استكمال التحقيقات اللازمة. 

ولا تتوفر، في المعطيات المنشورة التي أمكن التحقق منها، أدلة رسمية تثبت أن الوفيات كانت نتيجة اعتداءات متعمدة، وهو ما يقتضي التمييز بين وجود تساؤلات مشروعة حول ظروف الوفاة وبين إثبات المسؤولية عن وفاة أي شخص.

 

ومن الجانب المغربي، برزت مطالبة بإعادة جثامين الضحايا إلى المغرب وتمكين الأسر من استعادة جثامين ذويها، باعتبار ذلك جزءا من معالجة التداعيات الإنسانية للواقعة. 

 

وفي إطار المتابعة الميدانية التي قامت بها العصبة، عاين مندوب العصبة احدى عمليات تغسيل عدد من الجثامين ومراسم دفنها بمقبرة سيدي إمبارك، حيث تمت العملية وفق الشعائر الإسلامية، بإشراف جمعيات إسلامية وفقيه مسجد سيدي إمبارك. وتؤكد هذه المعاينة أن احترام كرامة المتوفين ومعتقداتهم الدينية قد تمت مراعاته في عملية الدفن، غير أن ذلك ينبغي أن يترافق مع ضمان حق الأسر في معرفة مصير أقاربها وأسباب وفاتهم، والحفاظ على جميع المعطيات التي تسمح بالتعرف عليهم مستقبلا، بما يحول دون أن تتحول مأساة فقدانهم إلى مأساة ثانية تتمثل في استمرار أسرهم في الجهل بمصيرهم أو بظروف وفاتهم.

 

القسم الخامس: التحليل الحقوقي والقانوني المقارن

 

1. الحق في الحياة والتحقيق الفعال والمساءلة عن الوفيات

 

يشكل الحق في الحياة نقطة الانطلاق الأساسية في تقييم أحداث العبور إلى سبتة ومليلية، ولا تقتصر الحماية التي يوفرها هذا الحق على الامتناع عن إزهاق الأرواح بصورة تعسفية، وإنما تمتد إلى التزام السلطات باتخاذ التدابير المعقولة لحماية حياة الأشخاص الموجودين تحت ولايتها أو سيطرتها، واتخاذ إجراءات الإنقاذ والإسعاف المناسبة، ثم إجراء تحقيق سريع ومستقل وفعال كلما حدثت وفاة في ظروف قد تثير مسؤولية الدولة أو تساؤلات مشروعة حول أسبابها.

وتكتسي هذه القاعدة أهمية مضاعفة في سياق الحدود، حيث تتقاطع عمليات إنفاذ القانون مع أوضاع إنسانية شديدة الخطورة، ويكون الأشخاص المعنيون في كثير من الأحيان غير قادرين على حماية أنفسهم أو الوصول إلى آليات الانتصاف. وقد سبق للآليات الأممية أن أثارت، في سياق أحداث مليلية لسنة 2022، مخاوف جدية بشأن الوفيات والإصابات واستخدام القوة، ودعت إلى تحقيقات مستقلة وسريعة وشاملة وتحديد المسؤوليات، كما أثارت مسألة دفن الضحايا دون استكمال التعرف عليهم باعتبارها قد تلحق ضررا لا يمكن جبره بالأسر.

وبناء عليه، فإن التحقيق المطلوب في أحداث 2026 لا ينبغي أن يقتصر على تحديد العدد الإجمالي للوفيات، وإنما يجب أن يعيد بناء المسار الفردي لكل ضحية:

  • مكان وجودها؛ 

  • كيفية وصولها إلى منطقة الخطر؛

  • وما إذا كانت قد تعرضت للقوة أو المطاردة أو التدافع أو السقوط؛

  • وما هي التدخلات التي قامت بها قوات الأمن؛ 

  • وما إذا كانت فرص الإنقاذ والإسعاف متاحة وفي الوقت المناسب؛ 

  • وما الذي خلص إليه التشريح والطب الشرعي. 

كما ينبغي حفظ تسجيلات كاميرات المراقبة والطائرات المسيرة والهواتف المحمولة والاتصالات اللاسلكية وأوامر العمليات وسجلات الحراسة والإنقاذ، لأن ضياع هذه الأدلة قد يجعل التحقيق اللاحق غير قادر على تحديد المسؤولية.

ومن منظور حقوقي، فإن الإعلان عن أن الوفاة نتجت عن “الغرق” أو “السقوط” لا يمثل في حد ذاته جوابا كاملا عن السؤال المتعلق بالمسؤولية. فالسؤال القانوني لا يقف عند كيف مات الشخص طبيا، وإنما يمتد إلى ما الذي أدى إلى وجوده في الوضع الذي انتهى بوفاته، وما إذا كان استعمال القوة أو المطاردة أو الإغلاق أو غياب الإنقاذ قد ساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في النتيجة. ولذلك ينبغي أن يكون لكل ضحية تقرير طبي شرعي مستقل يحدد سبب الوفاة وآليتها، مع عدم استبعاد أي فرضية تتعلق بالعنف أو سوء المعاملة قبل استكمال التحقيق.

كما أن حق الأسر لا ينتهي بانتشال الجثمان أو دفنه. فمن حقها معرفة هوية قريبها ومكان وفاته وظروفها، والحصول على المعلومات الأساسية بشأن التحقيق، واستعادة الجثمان متى أمكن ذلك. 

ولذلك فإن عمليات التعرف بواسطة البصمات والحمض النووي وحفظ العينات والصور والبيانات الطبية والجنائية ليست إجراءات إدارية ثانوية، وإنما تشكل جزءا من واجب الدولة في احترام الحق في الحياة والحق في الحقيقة وحقوق أسر الضحايا.

 

2. الشرعية والضرورة والتناسب في استعمال القوة

لا تنازع المعايير الحقوقية في حق الدول في حماية حدودها ومنع الدخول غير النظامي وحماية أفراد قواتها وممتلكاتها، كما لا تعفي هذه المعايير الأشخاص المشاركين في أعمال العنف أو التخريب أو الاعتداء من المسؤولية الفردية. غير أن مشروعية هدف حماية الحدود لا تجعل كل وسيلة مستخدمة لتحقيقه مشروعة تلقائيا.

فاستعمال القوة من جانب قوات إنفاذ القانون يجب أن يستند إلى أساس قانوني واضح، وأن يستهدف غاية مشروعة، وأن يكون ضروريا لتحقيقها، وأن يتناسب مستوى القوة مع درجة الخطر الفعلي، وأن يتم اختيار الوسيلة الأقل إضرارا عندما يكون ذلك ممكنا. وتؤكد مبادئ الأمم المتحدة بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية أن الوسائل غير العنيفة ينبغي، قدر الإمكان، أن تسبق استخدام القوة، وأنه عند استحالة تجنبها يجب الحد من الضرر والإصابات والحفاظ على الحياة وتوفير المساعدة الطبية في أقرب وقت. كما لا يجوز أن تتحول الظروف الاستثنائية أو حالات الطوارئ إلى مبرر للتخلي عن هذه المبادئ.

وبالتالي، فإن التحقيق في أحداث سبتة المحتلة يجب ألا يطرح السؤال بصورة مجردة: “هل كان هناك خطر؟”، وإنما ينبغي أن يسأل: ما طبيعة الخطر؟ ومن كان مصدره؟ وهل كان وشيكا؟ وما البدائل التي كانت متاحة؟ وهل كانت القوة المستخدمة ضرورية فعلا؟ وهل تجاوزت المستوى اللازم؟ وهل أصابت أشخاصا لم يكونوا طرفا في أعمال العنف؟ وهل اتخذت تدابير لحماية الأطفال والنساء والأشخاص الموجودين في محيط المواجهات؟

ويكتسب هذا التدقيق أهمية خاصة عندما تختلط في المكان نفسه محاولات العبور السلمي بأعمال رشق أو تخريب. فارتكاب بعض الأشخاص لأفعال مخالفة للقانون لا ينقل المسؤولية إلى جماعة كاملة، ولا يبرر العقاب الجماعي، ولا الضرب العشوائي، ولا الحرمان من الماء أو العلاج، ولا إعادة الأشخاص دون تحديد فردي لوضعهم القانوني. كما أن مسؤولية الأشخاص الذين يرتكبون العنف يجب أن تكون فردية ومبنية على أدلة، مع احترام قرينة البراءة وحق الدفاع والمحاكمة العادلة.

وتبرز هنا أيضا ضرورة التمييز بين استخدام القوة من جانب قوات الأمن وبين العنف الذي قد يصدر عن أفراد أو مجموعات مدنية ضد المهاجرين، فالدولة لا تتحمل فقط مسؤولية عدم استخدام القوة بصورة غير مشروعة، بل تتحمل كذلك واجب حماية الأشخاص الموجودين تحت ولايتها من اعتداءات الغير، والتحقيق في أعمال العنف العنصري أو التحريضي، وعدم السماح بأن تتحول حالة التوتر الأمني إلى مجال للإفلات من العقاب.

 

3. اللجوء وعدم الإعادة القسرية وضمانات الفحص الفردي

 

يمثل مبدأ عدم الإعادة القسرية أحد أهم القيود القانونية على سياسات ضبط الحدود، وهو لا يتوقف على كون الشخص قد دخل البلاد بطريقة نظامية أو غير نظامية. وتؤكد إرشادات مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن احترام هذا المبدأ يقتضي، عند وجود مؤشرات على خطر التعذيب أو المعاملة القاسية أو الضرر غير القابل للجبر، إجراء تقييم فردي للحالة، وإتاحة الوصول إلى المعلومات والمساعدة القانونية وإمكانية الطعن في قرار الإبعاد أمام جهة مستقلة، مع ضمان فعالية الطعن.

وتزداد هذه الضمانات صرامة عندما يتعلق الأمر بالأطفال غير المصحوبين. فقد أكدت لجنة حقوق الطفل أن الدولة يجب أن تتحقق، قبل أي إعادة، من كون الشخص قاصرا ومن وضعه الفردي وهويته واحتياجاته، وأن تضع مصلحته الفضلى في مقدمة الاعتبارات، وألا تعيده إذا كان ثمة خطر حقيقي بوقوع ضرر لا يمكن جبره. كما يجب أن تتوافر له الضمانات الإجرائية الملائمة، بما فيها الاستماع إليه والمساعدة القانونية والتمثيل المناسب.

أما الحكم الصادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية N.D. and N.T. v. Spain  التي تتحجج به طوائف سياسية أوروبية وإسبانية، فلا يجوز قراءته باعتباره قاعدة عامة تجيز الإعادة الفورية لكل من يعبر الحدود بصورة جماعية. فقد ربطت المحكمة النتيجة بظروف خاصة في القضية، من بينها طبيعة العبور الجماعي، ووجود مسارات قانونية حقيقية وفعالة للدخول وطلب الحماية، وعدم وجود أسباب قاهرة حالت دون استعمالها. ولذلك فإن الاستناد إلى الحكم لتبرير أي إعادة جماعية دون فحص فردي سيكون قراءة موسعة لا يسندها منطوق الحكم وسياقه.

والأهم أن السوابق الإسبانية نفسها تضع قيدا قويا على أي تفسير موسع للإعادة. فقد قضت المحكمة العليا الإسبانية سنة 2024 بأن إعادة القاصرين من سبتة إلى المغرب سنة 2021 تمت بصورة غير قانونية بسبب عدم احترام الإجراءات الفردية المنصوص عليها في قانون الأجانب، وعدم إتاحة المعلومات والاستماع للقاصر وتدخل النيابة العامة، واعتبرت أن الاتفاق المغربي الإسباني لسنة 2007 لا يشكل، بمفرده، أساسا كافيا لإعادة القاصرين دون استكمال الإجراءات الوطنية والدولية. كما اعتبرت تلك الإعادات إخلالا بحظر الطرد الجماعي.

ويكتسي هذا الحكم أهمية خاصة في النازلة الحالية، لأن لتعاون المغربي الإسباني لا يلغي الضمانات القانونية، وإنما يفترض أن يعمل داخلها. فالاتفاق المغربي الإسباني لسنة 2007 نفسه ينص على أن إعادة القاصرين يجب أن تتم مع الاحترام الصارم للقانون الوطني والقانون الدولي واتفاقية حقوق الطفل، وأن العودة يجب أن تراعي المصلحة الفضلى للطفل وأن تضمن، في كل حالة، لم الشمل الفعلي أو تسليم الطفل إلى مؤسسة حماية مناسبة. 

كما يشترط الاتفاق حصول اتفاق مسبق بشأن الحالات التي يمكن إعادتها، وبالتالي فإن من صميم القول إن مسألة الإعادة بالنسبة للقاصرين في مبدئيتها هي الأصل مادام القاصر أو الطفل سيجد في استقباله أسرة ترعى شؤونه وتولى اهتماماتها وحاجياته، أو سيتم استقباله من قبل الدولة ورعايته بمؤسسة تربوية رعاية تحترم حقوقها وترعاها، وإلا فإن مصلحة الطفل إذا لم تتوفر هذه الشروط ستستدعي الاحتفاظ به لدى الجانب الإسباني. أي أن أيّ اتفاق سياسي أو أمني على “إعادة جميع العابرين” لا يمكن، من الناحية الحقوقية، أن يحل محل التقييم الفردي لكل شخص. فالسلطة السياسية تستطيع الاتفاق على التعاون، لكنها لا تستطيع إلغاء الضمانات التي مصدرها الدستور والقانون والاتفاقيات الدولية والقضاء.

 

المعيار المقارن سؤال التحقق في أحداث 2026 المسألة
وجود مسار حقيقي وفعال، لا نظري فقط هل تمكن كل شخص من طلب الحماية قبل الإعادة؟ الوصول إلى اللجوء
تقييم فردي وعدم إعادة إلى خطر جسيم هل حُددت هوية وسن ووضع كل عائد؟ الإعادة
المصلحة الفضلى وعدم الإعادة إلى خطر يمس الحقوق الأساسية هل فُحص القاصر كقاصر؟ وهل أُبلغت جهة الحماية؟ الأطفال
شرعية وضرورة وتناسب ومساءلة هل كانت الوسيلة الأقل خطراً؟ وهل وُثقت الأوامر؟ القوة
إنقاذ وتحقيق مستقل وفعال وتحديد الهوية هل توجد سجلات مشتركة وتشريح وإشعار للأسر؟ الوفاة
حماية فعالة من العنف العنصري والتحريض هل سجلت الشكايات وفتحت تحقيقات؟ التمييز والكراهية

 

4. مسؤوليات المغرب وإسبانيا: التعاون لا ينشئ منطقة خالية من المسؤولية

 

تتوزع المسؤوليات بين المغرب وإسبانيا بحسب نطاق الاختصاص والسيطرة الفعلية لكل طرف، ولا يمكن اختزالها في سؤال: من المسؤول عن الحدود؟، أو من الدركي عند من؟. فالدولة التي تمارس السيطرة الفعلية على الأشخاص أو العمليات تتحمل التزاماتها الحقوقية في حدود تلك السيطرة، بينما تظل الدولة الأخرى مسؤولة عن الأفعال التي تقع ضمن ولايتها وعن أي تعاون أو تنسيق قد يؤدي إلى نتيجة تمس الحقوق الأساسية.

 

وعليه، فإن التعاون الأمني بين البلدين لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لنقل المسؤولية من دولة إلى أخرى. فإذا تمت عملية “إعادة” بناء على معلومات أو تنسيق مشترك، فإن ذلك لا يعفي أي طرف من التحقق من قانونية العملية ومن احترام حقوق الأشخاص المعنيين. كما يجب أن تكون سلاسل القيادة واضحة، وأن تحدد المسؤوليات المتعلقة بإصدار الأوامر، والتنفيذ، والإنقاذ، والإسعاف، والتعرف على الضحايا، وإجراءات الإعادة.

ويكتسب هذا الأمر أهمية أكبر في العمليات التي تقع في مناطق حدودية مختلطة أو في ظروف يتعذر فيها تحديد لحظة انتقال الشخص من نطاق سيطرة طرف إلى نطاق سيطرة الطرف الآخر. ولذلك ينبغي أن يشمل التحقيق ليس فقط ما وقع ميدانيا، وإنما أيضا الأوامر السابقة للعملية، وقنوات التنسيق بين الأجهزة، وقواعد الاشتباك، وخطط الطوارئ والإنقاذ، وآليات التواصل بين السلطات المغربية والإسبانية.

 

5. بروز العنصرية وخطاب الكراهية والتحريض ضد المهاجرين

 

من أبرز التطورات التي تستوجب الوقوف الحقوقي عندها تصاعد خطاب الكراهية والعنصرية ضد المهاجرين، ولا سيما في سبتة، وتحوله في بعض الحالات من خطاب سياسي أو رقمي إلى سلوك مادي تمثل في الملاحقة والتهديد والاعتداء على المهاجرين أو عرقلة وصول المساعدات إليهم.

ويجب هنا التمييز بين النقد المشروع لسياسات الهجرة وبين الخطاب الذي يحول المهاجرين، كجماعة، إلى مصدر جماعي للجريمة أو الخطر أو التهديد، أو يدعو إلى طردهم أو الاعتداء عليهم. فالخطاب الذي ينزع الصفة الإنسانية عن فئة معينة أو يربطها بصورة جماعية بالجريمة أو الفوضى يمكن أن يسهم في خلق بيئة اجتماعية تسمح بتطبيع العنف ضدها.

وتتضاعف خطورة هذا الخطاب عندما يصدر بالتزامن مع أحداث أمنية حقيقية، لأن واقعة فردية يرتكبها مهاجر قد تتحول، عبر التعميم والتحريض، إلى مبرر لمعاقبة جماعة بأكملها. ومن منظور دولة القانون، لا يجوز الانتقال من المسؤولية الفردية عن الجريمة إلى الإدانة الجماعية على أساس الأصل أو الوضع القانوني أو الجنسية أو الدين.

كما ينبغي على السلطات أن تتعامل مع خطاب الكراهية باعتباره جزءا من البيئة التي قد تنتج العنف، لا باعتباره مجرد مشكلة خطابية؛ ويشمل ذلك مراقبة التحريض الصريح على العنف، والتحقيق في الاعتداءات التي يحتمل أن يكون دافعها عنصريا أو كارها للأجانب، وحماية الصحفيين والمتطوعين والمنظمات التي تقدم المساعدة الإنسانية، وضمان عدم استخدام مكافحة خطاب الكراهية ذريعة لتقييد النقد المشروع لسياسات الدولة.

 

وفي المقابل، فإن مقاومة العنصرية لا تعني تبرير أي أعمال عنف أو تخريب يرتكبها مهاجرون. فالقاعدة الحقوقية واحدة: تجريم الفعل لا تجريم الجماعة، والمساءلة فردية لا جماعية.

 

القسم السادس: تقدير المسؤوليات وأوجه القصور المحتملة

 

لا يهدف هذا التقرير إلى إصدار أحكام جنائية أو الحلول محل القضاء، وإنما إلى تحديد الوقائع التي تستوجب التحقيق، ومجالات المسؤولية المحتملة، وأوجه القصور المؤسسية التي قد تكون ساهمت في ارتفاع مستوى المخاطر. ويقتضي ذلك التمييز بين ثلاثة مستويات: 

  • المسؤولية المحتملة للدولة؛ 

  • المسؤولية الفردية عن أفعال محددة؛ 

  • القصور البنيوي في السياسات والإجراءات.

فعلى مستوى السلطات المغربية والإسبانية، تبرز مسؤوليات محتملة تتصل بحماية الحياة، وتوفير الإنقاذ والإسعاف، وتأمين الماء والغذاء والرعاية الصحية، وحماية الأطفال والنساء والأشخاص في وضعية هشاشة، وضبط استخدام القوة، ومنع الاعتداءات الخاصة، وضمان الوصول إلى إجراءات اللجوء والحماية، وإجراء التحقيقات الفعالة في كل وفاة أو إصابة أو ادعاء بسوء المعاملة.

ولا ينبغي أن يقتصر تقييم المسؤولية على الأفعال المباشرة. فقد تنشأ المسؤولية أيضا عن الإغفال أو سوء التخطيط أو عدم توفير الوسائل الضرورية، إذا ثبت أن ذلك أسهم في تعريض الأشخاص لخطر متوقع وقابل للمنع. وفي أحداث ذات حجم استثنائي، لا يمكن للسلطات أن تكتفي بإدارة الأزمة بعد وقوعها؛ بل يتعين عليها توقع المخاطر ووضع خطط للإنقاذ والإسعاف والإيواء وحماية الفئات الأكثر هشاشة.

أما على مستوى الأفراد أو الشبكات، فينبغي أن يشمل التحقيق، عند توفر الأدلة، التحريض على العبور الخطير، والاتجار بالبشر، والاستغلال، والاعتداءات الجنسية، والاعتداءات الجسدية، والتحريض العنصري، والتخريب، ورشق قوات الأمن، مع ضرورة عدم الخلط بين هذه الأفعال المختلفة وعدم إسنادها إلى الأشخاص بصورة جماعية.

وتظهر في المقابل أوجه قصور بنيوية تستوجب المعالجة، من بينها غياب قاعدة بيانات مشتركة وشفافة للوفيات والإصابات والمفقودين، وتضارب الأرقام بين الجهات، وصعوبة وصول الأسر إلى المعلومات، ومحدودية المسارات النظامية والآمنة، وضعف آليات الإنذار المبكر والإنقاذ في ظروف الضغط الحدودي، وعدم وضوح بعض إجراءات تحديد السن، وتباين آليات التعامل مع طلبات الحماية، فضلا عن الفجوة القائمة بين المقاربة الأمنية والمقاربة الحقوقية والإنسانية.

كما أن عدم وجود آلية مستقلة ومشتركة لتوثيق الأحداث يترك فراغا معلوماتيا يسمح بتضارب الروايات وتسييس الوقائع. وهذه ليست مشكلة إعلامية فقط؛ بل تمس الحق في الحقيقة والمساءلة، لأن غياب سجل موحد ومفتوح للتدقيق يجعل من الصعب تحديد عدد الضحايا، أو معرفة ظروف كل وفاة، أو تقييم مدى تناسب التدخلات الأمنية.

 

القسم السابع: الخلاصات العامة

 

تظهر المعطيات التي تمكنت اللجنة من تجميعها أن أحداث 2026 ليست واقعة حدودية منفردة، وإنما أزمة مركبة اجتمعت فيها عوامل متعددة من ضمنها توافد جماعي واسع، وجود أطفال ونساء وأشخاص في أوضاع هشاشة، استخدام مكثف للقوات الأمنية، أعمال رشق وتخريب، صعوبات في الإيواء والاستقبال، وفيات وإصابات، اعتداءات جنسية، توترات اجتماعية، وتصاعد في خطاب الكراهية، إلى جانب تدخلات قضائية وأمنية لاحقة.

وتتمتع بعض عناصر هذه الصورة بدرجة مرتفعة من الثبوت، ولا سيما وقوع العبور الجماعي، ووجود وفيات وإصابات، وبدء إجراءات قضائية في عدد من الوقائع. في المقابل، تظل بعض المسائل بحاجة إلى تحقيق مستقل، خصوصا السبب الفردي لكل وفاة، ومدى مساهمة استخدام القوة أو المطاردة أو التدافع في بعض الوفيات، ومدى احترام الضمانات القانونية أثناء عمليات الإعادة، وحجم الاعتداءات العنصرية، والمسؤوليات الفردية عن أعمال العنف.

وتخلص لجنة الصياغة المكلفة بتركيب مضامين هذا التقرير، إلى أن اختزال الأحداث في رواية أمنية محضة سيكون قاصرا، كما أن اختزالها في رواية إنسانية تتجاهل أعمال العنف والتخريب سيكون بدوره غير كاف. فالمنظور الحقوقي لا يختار بين الأمن وحقوق الإنسان، وإنما يعتبر أن الأمن المشروع نفسه يجب أن يمارس داخل إطار حقوق الإنسان والقانون.

كما أن وجود أعمال عنف من جانب بعض المشاركين لا يسقط حقوق الآخرين، تماما كما أن مشروعية حماية الحدود لا تمنح السلطات سلطة غير محدودة في استخدام القوة أو إعادة الأشخاص دون ضمانات. ومن ثم فإن الاختبار الحقيقي لسيادة القانون لا يتمثل في كيفية تعامل الدولة مع الأشخاص الملتزمين بالقانون في الظروف العادية، وإنما في كيفية تعاملها مع الأشخاص الأكثر هشاشة وفي أكثر الظروف اضطرابا.

وتبرز كذلك ضرورة الحذر من الروايات التي تنسب الأزمة إلى عامل واحد، سواء تعلق الأمر بالتضليل الرقمي أو شبكات الاتجار أو الفقر أو البطالة أو سياسات الحدود. فقد تكون هذه العوامل متداخلة، لكن وجود عامل أو أكثر منها لا يلغي مسؤولية السلطات عن إدارة المخاطر ولا مسؤولية الأفراد عن أفعالهم.

والخلاصة الأساسية التي ينبغي أن يقوم عليها التقرير، هي أن حماية الحدود هدف مشروع، لكنها ليست منطقة استثناء من حقوق الإنسان؛ وأن كل وفاة تستوجب تفسيرا فرديا، وكل إصابة تستوجب التحقق، وكل إعادة تستوجب أساسا قانونيا وضمانات، وكل ادعاء بالعنف يستوجب التحقيق، وكل اعتداء عنصري يستوجب المساءلة.

 

القسم الثامن: التوصيات

 

1. توصيات عاجلة

 

توصي العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الانسان بإنشاء آلية دولية مستقلة للتحقيق في الوفيات والإصابات والاختفاءات المرتبطة بأحداث العبور، تضم خبرات في الطب الشرعي وحقوق الإنسان والقانون والهجرة، وتتمتع بإمكانية الوصول إلى وثائق العمليات الأمنية والمقاطع المصورة وسجلات الاتصالات والملفات الطبية والقضائية.

كما توصي بإعداد سجل موحد ومراجع للضحايا والمفقودين، يتضمن هوية كل شخص وحالته ونتائج التعرف عليه ومكان الوفاة وسببها الطبي ونتائج التشريح ومآل التحقيق، مع احترام حماية المعطيات الشخصية.

وينبغي كذلك إشعار الأسر بصورة منتظمة بمراحل التعرف والتحقيق، وتمكينها من تقديم عينات الحمض النووي، والحصول على المعلومات المتعلقة بأقاربها، وضمان إمكانية استعادة الجثامين متى تم التعرف عليها واستيفاء الإجراءات القانونية.

وتوصي أيضا، بصورة عاجلة، بتوفير الحماية الطبية والنفسية والقانونية للناجين، وخاصة الأطفال والنساء وضحايا العنف الجنسي، وضمان عدم تعرض الشهود أو الضحايا للترهيب أو الانتقام.

 

2. توصيات للسلطات المغربية والإسبانية

 

ينبغي للسلطات المغربية والإسبانية اعتماد بروتوكول مشترك وعلني لإدارة حالات الضغط الحدودي، يحدد بوضوح قواعد استعمال القوة، وتسلسل الإنذار، ومسارات الإخلاء والإنقاذ، وآليات الإسعاف، ومسؤوليات كل جهاز، وطرق توثيق التدخلات.

ويجب أن يتضمن البروتوكول ضمانات خاصة للأطفال والنساء والأشخاص المرضى أو المصابين، وأن يجعل إنقاذ الحياة أولوية فعلية عند حدوث تدافع أو سقوط أو خطر غرق.

كما توصي العصبة بإحداث آلية مستقلة لمراقبة عمليات الإعادة والعودة، تتأكد من أن كل شخص يخضع لفحص فردي، وأن من يطلب الحماية أو يثير مؤشرات على خطر التعرض لانتهاكات جسيمة يتم توجيهه إلى الإجراء المناسب قبل اتخاذ أي قرار بالإعادة.

وبالنسبة إلى القاصرين غير المصحوبين، ينبغي عدم اتخاذ أي قرار بإعادتهم إلا بعد التحقق من السن والهوية، والاستماع إليهم، وتقييم مصلحتهم الفضلى، والتحقق من وجود الأسرة أو مؤسسة حماية مناسبة في بلد العودة، وضمان التمثيل القانوني والرقابة القضائية.

  • توصيات قضائية ومؤسساتية

 

توصي العصبة بفتح تحقيقات فعالة في جميع الادعاءات المتعلقة باستخدام القوة المفرطة، وسوء المعاملة، والاعتداءات الجنسية، والاعتداءات العنصرية، والتحريض على العنف، والاتجار بالبشر، والتخريب، مع الفصل الكامل بين المسؤولية الفردية والمسؤولية الجماعية.

كما يجب أن تتولى جهات مستقلة، حيثما تعلق الأمر بادعاءات ضد موظفي إنفاذ القانون، التحقيق في الوقائع، وضمان الوصول إلى الأدلة، والاستماع إلى الضحايا والشهود، وعدم الاكتفاء بالتقارير الداخلية للجهاز محل الادعاء.

 

وتوصي العصبة كذلك، بإتاحة تقارير دورية للرأي العام حول سير التحقيقات، مع مراعاة سرية التحقيق وحماية الضحايا والقاصرين، بما يحقق التوازن بين الشفافية وحقوق الأطراف.

كل ما سبق  بالإضافة الى تمكين المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والهيئات الرقابية المستقلة من الولوج إلى أماكن الاحتجاز والاستقبال، ومراكز الإيواء، والوثائق المتعلقة بعمليات الحدود، وإتاحة آليات فعالة لتلقي الشكاوى.

  •  توصيات دولية وأوروبية

 

تعو العصبة إلى إشراك الآليات الأممية المختصة بالحق في الحياة، وحقوق المهاجرين، وحقوق الطفل، ومنع التعذيب، والعنف ضد النساء، في متابعة تداعيات الأحداث، وطلب المساعدة التقنية عند الحاجة.

كما تطالب الاتحاد الأوروبي بإقران دعمه لمجال إدارة الحدود مرتبطا بمعايير قابلة للتحقق في مجال حقوق الإنسان، وألا تتحول سياسة التعاون الخارجي إلى تفويض أو نقل أعباء مراقبة الحدود إلى الطرف الآخر.

هذا وتشدد العصبة على ضرورة تطوير مسارات آمنة وقانونية للوصول إلى الحماية، وتوسيع إمكانيات لم شمل الأسر، وتحسين آليات طلب اللجوء والحماية، وتوفير قنوات خاصة للأطفال والنساء والأشخاص في أوضاع هشاشة.

تشدد على أن المسؤولية الأوروبية في تمويل الرقابة الحدودية، يجب أن تشمل دعم أنظمة الاستقبال والحماية والتحقيق والإنقاذ، لأن إدارة الحدود التي تزيد من المخاطر دون توفير بدائل آمنة قد تؤدي إلى دفع الأشخاص نحو طرق أكثر خطورة.

  • توصيات للجمعيات الحقوقية والمجتمع المدني

 

تناشد العصبة المجتمع المدني وضمنه الجمعيات الحقوقية، بتحويل الرصد الحالي إلى منظومة توثيق مستمرة وقابلة للتحديث، تتضمن سجلا سريا للضحايا والمفقودين، ومحاضر للشهادات، ومصفوفة للأدلة الطبية والرقمية والقضائية.

كما تقترح على الجمعيات الحقوقية المغربية و الاسبانية، إعادة الاستماع إلى الشهود الرئيسيين، ولا سيما من كانوا موجودين في مناطق المواجهة، وربط كل شهادة بزمان ومكان ومصدر وأدلة مساندة، مع تصنيف المعطيات إلى: وقائع مثبتة، شهادات تحتاج إلى تحقق، ادعاءات متعارضة، ومسائل لم تحسم بعد.

كما توصي توصي العصبة بتجنب نشر صور الأطفال والضحايا أو أي معطيات يمكن أن تكشف هويتهم دون أساس قانوني وموافقة مناسبة، واعتماد خطاب حقوقي يرفض في الوقت نفسه الاعتداء على المهاجرين والاعتداء على السكان أو قوات الأمن.

وينبغي للهيئات الحقوقية، خاصة بسبتة ومليلية المحتلتين، أن تتابع الملفات ذات البعد القضائي، وأن توفر، حيثما أمكن، الإحالة القانونية للضحايا والأسر، وأن ترفع الحالات ذات الطابع الجسيم إلى الآليات الوطنية والدولية المختصة وأن تفنح قنوات اتلتواصل مع نظيراتها المغربية حتى يتمكن الجميع من المساهمة في حل القضايا العالقة خاصة المرتبطة بمجهولي المصير و القاصرين.

 

الخاتمة

تكشف أحداث سبتة ومليلية المحتلتين عن أزمة تتجاوز سؤال الهجرة غير النظامية إلى اختبار فعلي لمدى قدرة سياسات الحدود على احترام حقوق الإنسان في لحظات الضغط القصوى. فحين تتجمع على حدود واحدة أعداد كبيرة من الأشخاص، وبينهم أطفال ونساء وأشخاص في أوضاع هشاشة، وتواجههم قوات أمنية مسلحة، فإن واجب الدولة لا يقتصر على منع العبور، بل يشمل أيضا حماية الحياة، ومنع الإصابات، وتأمين الإنقاذ، وضمان الوصول إلى الحماية، واحترام الكرامة الإنسانية، والتحقيق في كل انتهاك محتمل.

وتؤكد المقارنة بين القانون الدولي والممارسة الأوروبية والقضاء الإسباني أن إدارة الحدود ليست مجالا خارج القانون، ذلك أن الحق في الحياة يفرض واجب الوقاية والتحقيق، واستخدام القوة مقيدا بالشرعية والضرورة والتناسب، وعدم الإعادة القسرية يتطلب فحصا فرديا عندما تكون الحماية مطلوبة أو يكون خطر الانتهاك قائما، وحماية الطفل تفرض مبدأ المصلحة الفضلى وضمانات إجرائية مشددة.

كما أن الاتفاق المغربي الإسباني بشأن القاصرين لا يمكن قراءته بمعزل عن هذه المنظومة؛ فهو نفسه يحيل إلى القانون الوطني والقانون الدولي واتفاقية حقوق الطفل، ويجعل المصلحة الفضلى للطفل أساسا للتعاون والعودة. 

وعليه، فإن الأولوية في هذه النازلة ليست إنتاج رواية سياسية لصالح طرف على حساب آخر، وإنما إنتاج حقيقة قابلة للتحقق والمساءلة والاجابة بكل مسؤولية عن أسئلة شتى، من قبيل: من مات؟ وكيف مات؟ ومن أصيب؟ وفي أي ظروف؟ ومن استخدم القوة؟ وبأي أوامر؟ وهل كانت القوة ضرورية ومتناسبة؟ هل أتيحت فرص الإنقاذ؟ هل تم احترام الضمانات الفردية؟ هل تعرض بعض الأشخاص للعنف أو العنصرية؟ وهل حظي الأطفال بحماية خاصة؟ وما هي المسؤوليات الفردية والمؤسساتية الناتجة عن ذلك؟

لقد أفاد ما من مرة، مضمون التقرير، بما يؤكد على أن حماية الحدود حق مشروع للدول، غير أن هذا الحق لا ينشئ منطقة استثناء من حقوق الإنسان، كما أن أعمال العنف التي قد يرتكبها بعض المهاجرين لا تسقط حقوق الآخرين، فالمسؤولية يجب أن تكون فردية، والقوة يجب أن تكون مقيدة بالقانون، والعودة يجب أن تكون خاضعة للضمانات، والوفاة يجب أن تكون موضع تحقيق، والضحية يجب أن تظل إنسانا كامل الحقوق حتى بعد وفاتها.

ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي لسيادة القانون في أحداث سبتة ومليلية المحتلتين، لا يتمثل في قدرة السلطات على إغلاق الحدود أو إعادة الأشخاص، وإنما في قدرتها على القيام بذلك دون أن تتحول الحدود إلى فضاء تتراجع فيه الضمانات التي يفترض أن تحمي الإنسان.

 

تنويه لابد منه:

 

اليوم Tv