في ظل الحراك المحلي
نحو تسوية توافقية تراعي الخصوصية المحلية في تدبير المرفق
تقديم
تواجه واحة فكيك ذات الأهمية التاريخية والحدودية تهميشا ً تنمويا ً مستمراً منذ سبعة عقود، مما تسبّب في هجرة سكانها وإضعاف استقرار المنطقة بالرغم من الجهود الذاتية اللكبيرة للساكنة وتضحياتها الحقوقية اللكبرى. وقد أثمر هذا النضال إدراجَ الواحة ضمن برنامج جبر الضرر الجماعي لتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة.
ًُّ ويشهد الوضع الحالي تعثّر التنزيل الشامل لتلك التوصيات، وتزايد التحديات المرتبطة بفقدان الأراضي الفلاحية، وانتهاء بقرار إلحاق مرفق الماء الصالح للشرب بمجموعة الجماعات الترابية “الشرق للتوزيع”، وهو إجراء يمسّ المنظومة الاجتماعية
والأعراف المحلية المنظِّّمة للثروة المائية بالواحة.
ويأتي الحراك الاجتماعي السلمي بفكيك تجسيداً للديمقراطية التشاركية ودفاعا ً عن الحق في الماء كمنفعة عامة، حيث يندرج عقد هذه الندوة الصحفية لتقديم مستجدات هذا الحراك المستمر منذ نوفمبر ،2023 وعرض مذكرة ترافعية أمام المؤسسات الوطنية بهدف تحقيق العدالة المجالية والإنصاف التنموي للمنطقة.
السياق التاريخي والأسس القانونية لتدبير المورد المائي بالواحة
تستند هذه المذكرة إلى المنظومة القانونية والتنظيمية المؤطّ ِّرة للملك العمومي المائي، كما ينظمها القانون ،36.15 الذي ي ُكرّس الموارد المائية ضمن الملك العمومي مع عدم قابليتها للتفويت أو التملك الخاص. وفي المقابل، ي ُقرّ نفس الإطار القانوني بمشروعية الاستمرار في ممارسة الحقوق المكتسبة على هذه الموارد والسابقة لصدور التشريع الحالي، وفقا ً لمقتضيات المادتين 2 و155 من القانون ،36.15 مما يفرض مقاربة قائمة على التوفيق بين حماية المورد واستمرارية هذه الحقوق.
4 / 1
وفي هذا السياق، لا ت ُثير حالة واحة فجيج نزاعا ً حول مللكية المورد المائي في ذاته، وإنما تتعلق بوضعية قانونية وتاريخية َّ مستقرة، مؤطّرة بأنظمة عرفية دقيقة لتوزيع المياه )نظام السواقي والحصص الزمنية(، ومدعومة بوثائق ثابتة وأعراف موث ّقة. وحيث إن واحة فجيج تعتمد على فرشة مائية واحدة ومشتركة يترابط فيها ماء الشرب بماء السقي ارتباطا ً عضويا ،ً فإن هذا الوضع يمنح للواحة خصوصية مجالية تقتضي اعتماد حلول تدبيرية مرنة تدمج هذه الأنظمة ضمن أي إصلاح مؤسساتي.
وعليه، فإن أي انتقال نحو أنماط تدبيرية جديدة، بما في ذلك إحداث الشركات الجهوية، ينبغي أن يستحضر مبدأ استمرارية المراكز القانونية المكتسبة، عبر آليات تقنية وقانونية تضمن عدم الإضرار بالحقوق التاريخية للساكنة، بما يحقق التوازن بين متطلبات الحكامة المائية الحديثة وبين الأمن الاجتماعي والمعيشي للواحة.
السياق المحلي ورهانات الاستقرار والتنمية الحدودية
يعكس الوضع الراهن بواحة فجيج حالة من التباين في الرؤى حول المسار الذي سللكه المجلس الجماعي في اتخاذ قرار الانضمام إلى مجموعة الجماعات “الشرق للتوزيع”، وهو التباين الذي تزايدت حدته عقب الانتقال السريع للمؤسسة المنتخبة من موقف الرفض الإجماعي )أكتوبر 2023(، إلى تبني قرار مناقض في حيز زمني وجيز، مما ساهم في تحويل هذا الملف إلى محور لحراك محلي متواصل سجّل حضوره في المشهد المحلي والوطني بشكل موثق إعلاميا ً ومدنيا .ً
ويتزامن هذا السياق مع تحديات سوسيو-اقتصادية ملموسة، حيث سجّلت المؤشرات المحلية تراجعا ً حاداً في دينامية قطاع البناء والمهن المرتبطة به، بالتوازي مع توقف استغلال مقالع وادي العرجة، وهو ما أثّر بشكل مباشر وقاسٍ على فرص الشغل واستقرار فئات مهنية واسعة من الحرفيين والمياومين.
وتكتسي هذه المعطيات أبعاداً استراتيجية بالنظر للموقع الحدودي لمدينة فجيج، حيث يمثّل الحفاظ على التوازن الديموغرافي والتماسك الاجتماعي ركيزةً أساسية للاستقرار المجالي بالمنطقة. ومن ثَم،ّ تبرز الحاجة إلى مقاربة عمومية تزاوج بين متطلبات الإصلاح الهيكلي لقطاع الماء وبين ضرورة صيانة الأنظمة التدبيرية التقليدية، خاصة تلك المعترف بها دوليا ً من طرف منظمة “الفاو” كنظم بارعة للتراث الفلاحي العالمي )SIPAM).
مطالب الملاءمة التدبيرية وصيانة الخصوصية المحلية
سعيا ً نحو صياغة حل عادل وشامل يضمن استدامة المورد المائي، ويححترم الحقوق المكتسبة للساكنة، ويصون السلم الاجتماعي في هذا الثغر الحدودي، تتقدم الساكنة بالمقترحات الإجرائية والعملية التالية:
4 / 2
1 إقرار استمرارية نمط التدبير الجماعي المباشر لمرفق الماء الشروب
تطالب الساكنة بإقرار “إطار للملاءمة التدبيرية” يضمن استمرار المجلس الجماعي في التدبير المباشر والشامل لمرفق الماء الشروب. ويستند هذا المطلب إلى مبدأ وحدة المصدر وعدم قابلية المورد للتجزئة؛ فحيث إن مياه الشرب ومياه الري تستمدّان من فرشة مائية مشتركة، فإن بقاء الماء الشروب تحت إشراف السلطة المنتخبة محليا ً هو الضمانة الوحيدة لعدم استنزاف الفرشة لصالح أغراض تجارية، تفعيلا ً للمقتضيات القانونية )المادتان 2 و155 من القانون 36.15(.
2 تحصين المرفق ضد “التسليع” وإقرار تعرفة اجتماعية سيادية
التأكيد على رفض أي توجه يهدف إلى تحويل الماء من خدمة عمومية إلى سلعة خاضعة لمنطق الربح. وتطالب المذكرة بالالتزام الصريح ببقاء الماء خدمة اجتماعية تضامنية، مع تحصين النظام التعريفي الحالي ضد أي زيادات مستقبلية، واعتماد تعرفة اجتماعية تفضيلية تراعي مؤشرات الهشاشة المجالية والوضعية الاقتصادية الخاصة للساكنة في منطقة حدودية.
3 إقرار أولوية القرار المحلي في تدبير الفرشة المائية )بروتوكول حماية السواقي(
صياغة بروتوكول حماية ملزم قانونا ً يمنع أي جهة خارجية )بما فيها الشركات الجهوية( من القيام بأي تدخلات تقنية تمسّ الفرشة المائية المشتركة، كحفر آبار جديدة أو تغيير وتيرة الضخ، إلا بعد الحصول على موافقة صريحة وموثقة من هيئات ذوي الحقوق، بما يضمن أولوية الحقوق التاريخية في السقي.
4 مأسسة الحوار عبر آلية تنسيق محلي ذات سلطة تقريرية
إحداث لجنة محلية مشتركة ودائمة تضم ممثلي المجلس الجماعي وتمثيليات ذوي الحقوق والفاعلين المدنيين بالواحة، ت ُمنح سلطة إبداء الرأي الملزم في كافة القرارات التقنية أو الإدارية التي تمسّ التوازن المائي بالواحة، مع التزام الإدارة بتقديم تعليلات مكتوبة في حال أي تباين في الرؤى.
5 تفعيل إجراءات مواكبة لدعم الاستقرار )ملف مقالع وادي العرجة(
المطالبة بالتسوية الفورية والناجعة للوضعية القانونية لل”مقالع وادي العرجة”، لتمكين الحرفيين والمياومين من استعادة نشاطهم الاقتصادي. إن حل هذا الملف ي ُعدّ عربون ثقة أساسيا ً لتهدئة الاحتقان الاجتماعي وإنجاح أي توجهات إصلاحية تنموية بالمنطقة.
خاتمة
4 / 3
إن واحة فجيج، بما راكمته من خبرة تاريخية فريدة في تدبير مواردها، تطرح اليوم تحديا ً مزدوجا ً يتمثل في الرغبة في مواكبة الإصلاحات الهيكلية الوطنية، مع الإصرار على الحفاظ على توازناتها الاجتماعية والبيئية الأصيلة. ومن ثَم،ّ فإن هذه المقترحات لا تروم تعطيل مسار الإصلاح، بل تسعى إلى تأطيره وضمان تنزيله في انسجام تام مع خصوصيات التدبير الحر للشأن المحلي.
إننا نأمل أن تحظى هذه المذكرة بالعناية اللازمة، وأن ت ُشكّل أساسا ً لفتح حوار مؤسساتي مسؤول ي ُفضي إلى حلول توافقية مستدامة، قادرة على تحويل التحديات الراهنة إلى رافعة للتنمية وضمان استقرار هذه الحاضرة الحدودية.
عن التنسيقية المحلية للترافع على قضايا واحة فكيك